وقفة إيمانية قرآنية

96

وقفة إيمانية قرآنية

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فمن لا بحب مرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة،
ومرافقة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الجنة غاية الأماني
وعزة المطالب ، فهو القائل ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( أنا وكافل
اليتيم في الجنة هكذا ، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً ) (رواه البخاري) .
يقول الله تعالى :
{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} (سورة الضحى، الآية: 9)
جاء في تفسير الإمام القرطبي رحمه الله حول قوله
تعالى : (فأما اليتيم فلا تقهر) أي لا تسلط عليه بالظلم ، ادفع إليه حقه ،
واذكر يتمك قال الأخفش . وقيل : هما لغتان : بمعنى . وعن مجاهد فلا
تقهر فلا تحتقر . وقرأ النخعي والأشهب العقيلي ( تكهر ) بالكاف ، وكذا
هو في مصحف ابن مسعود . فعلى هذا يحتمل أن يكون نهيا عن قهره ،
بظلمه وأخذ ماله . وخص اليتيم ; لأنه لا ناصر له غير الله تعالى فغلظ في أمره ، بتغليظ العقوبة على ظالمه .
والعرب تعاقب بين الكاف والقاف . النحاس : وهذا غلط ، إنما يقال كهره
: إذا اشتد عليه وغلظ . وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي ،
حين تكلم في الصلاة برد السلام ، قال : فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا
بعده أحسن تعليما منه – يعني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فوالله ما
كهرني ، ولا ضربني ، ولا شتمني . . . الحديث . وقيل : القهر الغلبة . والكهر : الزجر .
ودلت الآية على اللطف باليتيم ، وبره والإحسان إليه حتى قال قتادة : كن
لليتيم كالأب الرحيم . وروي عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – قسوة قلبه
فقال : ” إن أردت أن يلين ، فامسح رأس اليتيم ، وأطعم المسكين ” .
وفي الصحيح عن أبي هريرة : أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين ، وأشار بالسبابة والوسطى .
ومن حديث ابن عمر أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ” إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن ، فيقول الله تعالى لملائكته : يا ملائكتي ، من ذا الذي أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب ، فتقول الملائكة ربنا أنت أعلم ، فيقول الله تعالى لملائكته : يا ملائكتي ، اشهدوا أن من أسكته وأرضاه ؟ أن أرضيه يوم القيامة ” . فكان ابن عمر إذا رأى يتيما مسح برأسه ، وأعطاه شيئا . وعن أنس قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : من ضم يتيما فكان في نفقته ، وكفاه مؤونته ، كان له حجابا من النار يوم القيامة ، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة . وقال أكثم بن صيفي : الأذلاء أربعة : النمام ، والكذاب ، والمديون ، واليتيم .
جاء في الوسيط للإمام الطنطاوي : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ
وبعد أن عدد – سبحانه – هذه النعم لنبيه صلى الله عليه وسلم أمره بشكرها ، وأداء حقوقها .
فقال – تعالى – : ( فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ . . ) والقهر : التغلب على الغير والإِذلال له .
أى : إذا كان الأمر كما أخبرتك من أنك كنت يتيما فآويناك ، وكنت ضالا فهديناك ، وكنت فقيرا فأغنيناك ، فتذكر هذه النعم ، واشكر ربك عليها ، ومن مظاهر هذا الشكر : أن تواسى اليتيم ، وأن تكرمه . وأن تكون رفيقا به . . ولا تكن كأهل الجاهلية الذين كانوا يقهرون الأيتام ويذلونهم ويظلمونهم . .
ولقد استجاب النبى صلى الله عليه وسلم لما أمره ربه به ، فأكرم اليتامى ورعاهم ، وحض على ذلك فى أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم : “
” أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة ” وأشار صلى الله عليه وسلم . بأصبعيه السبابه والوسطى ” . ومن الآيات القرآنية التى وردت فى هذا المعنى قوله – تعالى – : ( وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ . . . ) وقد تكرر الأمر برعاية اليتيم ، وبالمحافظة على ماله فى مطلع سورة النساء خمس مرات قال – تعالى – : ( وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ . . . ) وقال – سبحانه – : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ )
وقال – عز وجل – : ( وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ . . . ) وقال سبحانه – : ( وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ )
وقال – تعالى – : ( إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً )
وجاء في تفسير الإمام البغوى رحمه الله : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ
ثم أوصاه باليتامى والفقراء فقال: ( فأما اليتيم فلا تقهر ) قال مجاهد : لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما . وقال الفراء والزجاج : لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه ، وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى ، تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم .
أخبرنا أبو بكر محمد عبد الله بن أبي توبة ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا [ عبد الله ] بن محمود ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن الخلال ، حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى [ بن ] سليمان عن يزيد بن أبي عتاب عن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ” خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه ، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ” ، ثم قال بأصبعيه : ” أنا وكافل اليتيم [ في الجنة ] هكذا [ وهو يشير ] بأصبعيه [ السبابة والوسطى ] ” .
وجاء في تفسير الإمام ابن كثير رحمه الله : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ
ثم قال : ( فأما اليتيم فلا تقهر ) أي : كما كنت يتيما فآواك الله فلا تقهر اليتيم ، أي : لا تذله وتنهره وتهنه ، ولكن أحسن إليه ، وتلطف به .
قال قتادة : كن لليتيم كالأب الرحيم .
فمن يحوذ الأجر كله في رعاية يتيم فقد أحن القلوب عليه قلب أبيه الطيب فيكون مرافقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة.

اللهم ارزقنا رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار.