المقالات والسياسه والادب
ولا تنسوا الفضل بينكم وصية سماوية تُعيد الأحبّة وتُرمم القلوب

بقلم:د. تامر عبدالقادر عمار
ولا تنسوا الفضل بينكم وصية سماوية تُعيد الأحبّة وتُرمم القلوب
في لحظة غضب، قد تنهار أعوام من العِشرة. في كلمة جارحة، قد يُخدش قلبٌ أحب بصدق. وفي قرار متسرّع، قد يُهدم بيت كان مأواه الحنان والسَكن. ومع ذلك، هناك شعاع نور لا يزال يطلّ من كتابٍ سماوي، يُربّت على قلوبنا المكسورة، ويقول: “ولا تنسوا الفضل بينكم”.
ليست مجرد آية تُتلى في ختام علاقة، بل رسالة ربانية تدعونا أن نُعيد النظر، أن نُمسك أيادي من أحببناهم، لا لنؤكد الفراق… بل لنُعطي للحنين فرصة، وللقلب فسحة، وللعِشرة شرف أن تُستكمل.
كم من زوجين افترقا ثم عاد كلٌ منهما إلى وحدته، ليكتشف أن الغضب كان لحظة، لكن الفضل كان عمرًا من الذكريات؟ كم من عاشقين افترقا بالكبرياء، ثم جلس كل واحد منهما يعدّ الأيام الجميلة التي طُويت في لحظة عناد؟
الفضل لا يعني فقط أن تذكر من كان لك خيرًا، بل أن تؤمن أن الخير لا يموت. أن تقول لنفسك: “ربما لم يكن مثاليًا، لكنه كان حنونًا… ربما قصّر، لكنه احتواني حين ابتعد العالم عني… ربما اختلفنا، لكننا ضحكنا يومًا من القلب”.
هذا التذكّر هو ما يُلهم الرجوع. هو ما يصنع تلك المكالمة الصامتة التي تسبقها دمعة وتليها ابتسامة. هو ما يجعل أحدهم يقول: “أنا آسف”، والآخر يرد: “وأنا كنت أنتظر هذا فقط”.
لمن فارق حبيبه… أو ترك شريك عمره
اسأل نفسك بصدق:
هل انتهت المشاعر؟ أم أن الكِبر يمنعني من الاعتراف؟
هل المشكلة أكبر من أن تُحل؟ أم أننا لم نُعطِ الفرصة للفضل أن يتكلم؟
هل حقًا لم يكن يستحق؟ أم أن الغضب جعلني أنسى أنه كان يوماً سببًا في سعادتي؟
ربما… كل ما تحتاجه الآن هو أن تغلق عينيك للحظة، وتستعيد أوّل “أنا بحبك”، وأوّل مرة أمسكت يده، وأوّل مرة بكيت في حضنه أو ضحكت في عينيها.
حين تكون الرجولة في الاعتذار… والأنوثة في الاحتواء تكون سعادة البيوت ، احياناً نجد بعض الرجال يعتقدون أن الرجوع ضعف. وبعض النساء يرون التسامح تنازلًا.
لكن الحقيقة أن الرجوع بعد خلاف هو أرقى أشكال القوة.
أن تمسك بيد من أحببته وتقول له: “تعال نبدأ من جديد”… هو شجاعة لا يملكها إلا الكبار.
فالعلاقات لا تُقاس بخلوّها من المشاكل، بل بقدرتنا على تجاوزها دون أن ننسى من نحب.
“ولا تنسوا الفضل بينكم”… دعوة للصفح قبل الفُقد فكم من قصة حب انتهت، وكان بإمكانها أن تُستأنف بكلمة طيبة؟
وكم من بيت تهدّم، وكان يمكن أن يعود أكثر دفئًا لو تذكر أحدهما لحظة احتياج، أو موقف وفاء؟
هذه الآية ليست فقط لإغلاق القصة بل لفتح فصل جديد منها، أن نعيد ترتيب العلاقة من جديد على أسس أعمق، وأن نمنح قلوبنا فرصة أخيرة قبل أن يُغلق الباب إلى الأبد.
“ولا تنسوا الفضل بينكم” ليست دعوة للبقاء في علاقة سامة، ولكنها دعوة نبيلة للتريث، للتأمل، وللرجوع إن بقي في القلب نبض.
هي ضوء في نفق الخصام، تقول لك: “ما زال في القلب متّسع، وما زال في العودة حياة.”
فلا تجعلوا الكبرياء يطغى على الحنين، ولا تجعلوا الغضب يُخرس صوت المحبة.
وإن ضل كل شيء… فلا تضلوا عن الفضل



