ومن ألهم التسبيح فاض له الخير كله

90

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فلله قوم عشقت أرواحهم قبل أجسادهم أن تكون في ذكر ودعاء وتسبيح لله تعالي واستغفار على الدوام .
فقد ورد في فضائل التسبيح وأجره ما لا تحصيه الكلمات فخراً بالذاكر والحامد والمسبح و أنّه من أفضل الكلام، وأحبّه إلى الله -سبحانه وتعالى-؛ للحديث الوارد عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-؛ إذ قال: (أَحَبُّ الكَلامِ إلى اللهِ أرْبَعٌ: سُبْحانَ اللهِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ).
(رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن سمرة بن جندب، الرقم: 2137، صحيح.
(عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر (2003)
كتاب فقه الأدعية والأذكار (الطبعة الثانية)، الكويت: الكويت، صفحة 207، جزء 1)
كما أنّ التسبيح هذه الطاعة العظيمة متعددة الأجر والنفع يُعَدّ نوعاً من أنواع الصدقة التي يتصدّق بها المسلم عن كلّ مفصَل من مَفاصله؛ شُكراً لله -تعالى- على هذه النِّعَم الكثيرة العظيمة، والتي لولاها لَما استطاع الإنسان أن يتحرّك، أو أن ينجزَ أعماله، ويقضي حاجاته، والشُّكر في ذلك يكون بالصدقة، إلّا أنّه يصعب إتيان المرء بثلاثمئةٍ وستّين صدقة في اليوم؛ ولهذا جعل الله -تعالى- التسبيح صدقة؛ رحمة بعباده، وقد ورد ذلك في حديث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-؛ إذ قال:(يُصْبِحُ علَى كُلِّ سُلَامَى مِن أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ).
(رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي ذرّ الغفاري، الرقم: 720، صحيح).
واعلم أيها المؤمن العاقل العابد المسبح لله والتسبيح أحد أسباب مغفرة الذنوب.
(راشد عبدالكريم (2010)، الدروس اليومية من السنن والأحكام الشرعية (الطبعة الرابعة)، المملكة العربية السعودية: دار الصميعي، صفحة 454)
فقد قال النبي -صلّى الله عليه وسلّم- بأبي وأمي ونفسي وروحي وكل جوارحي: (مَن قالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، في يَومٍ مِئَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ ولو كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ).
(رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الرقم: 2691، صحيح) .
( عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر (2000)، دراسات في الباقيات الصالحات، المدينة المنورة: الجامعة الإسلامية، صفحة 47).
ثم إن تسبيح المسلم بحَمد لله -تعالى- في الصباح، والمساء مئة مرّة يُوجِب له الخير الكثير؛ قال -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، مِئَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَومَ القِيَامَةِ، بأَفْضَلَ ممَّا جَاءَ به، إِلَّا أَحَدٌ قالَ مِثْلَ ما قالَ، أَوْ زَادَ عليه).
(رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الرقم: 2692، صحيح).
(رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الرقم: 597، صحيح)
أمّا الأحاديث التي وردت في فضل التسبيح بعد الصلوات فكثيرة بطرقها ، فمنها قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن سَبَّحَ اللَّهَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ، وقالَ: تَمامَ المِئَةِ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ وهو علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطاياهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ)
(رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبو هريرة، الرقم: 6682، صحيح)
بالإضافة إلى أنّ هناك بعض الأحاديث التي وردت في بيان فَضل التسبيح المُطلَق، ومنها قوله -عليه الصلاة والسلام-: (كَلِمَتانِ خَفِيفَتانِ علَى اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ، حَبِيبَتانِ إلى الرَّحْمَنِ، سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ).
والاستغفار عبادة عظيمة لها فضلها و فوائدها لا تعد ولا تحصى منها:
أنّ الله -تعالى- وعَدَ عباده حال استغفارهم بنِعمتَين؛ الأولى: أن يُمدَّهم بالأموال، والثانية: أن يرزقَهم بالذرّية؛ فقد قال -تعالى- على لسان نبيّه نوح -عليه السلام-: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا)؛[سورة نوح، الآية: 10_12]
فنحن نلحظ هنا لنبي الله نوح عليه السلام إذ دعا قومه إلى استغفار الله -تعالى-؛ ليباركَ لهم في رزقهم، وأولادهم، ويُنزّل عليهم الغيث، فيُنبت لهم من الأرض من كلّ الثمرات، ويجعل لهم الجنّات والأنهار، وفي ذلك دليلٌ على أنّ الاستغفار شرطٌ للبركة، والكثرة.
كما أنّ كثرة الاستغفار أحد أسباب تنزُّل رحمة الله -تعالى- على عباده؛ إذ يقول -عزّ وجلّ- على لسان نبيّه صالح -عليه السلام-: (لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(سورة النمل، الآية: 46)
، والاستغفار شفاءٌ للقلوب، ومُطهِّرٌ من الذنوب، وسبب للنجاة من الهلاك، بالإضافة إلى أنّه سبيل إلى دَفْع البلايا والمِحَن؛ قال -تعالى-: (وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)
[ سورة الأنفال، آية: 33]
والاستغفار سبب مهم بل الأهم لتحصيل الخير من الله -تعالى-، والتمتُّع بنِعَمه، ونَيل رضاه -عزّ وجلّ-.
وفي الاستغفار أيضاً طاعةٌ للربّ -سبحانه-، وامتثالٌ لأوامره؛ فقد أمر -تعالى- به عباده في العديد من المَواضع في القرآن الكريم، ومنها قوله -تعالى-: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)،
(سورة المزمل، الآية: 20)
، ولا يمكن أيضاً تجاهل أنّ في الاستغفار اقتداءٌ بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-؛ إذ كان -عليه الصلاة والسلام- كثير الاستغفار لله، حريصاً عليه لا يتركه في ليله ولا نهاره؛ قال -عليه الصلاة والسلام-: (استغفروا ربَّكم ، إني أستغفرُ اللهَ و أتوبُ إليه كلَّ يومٍ مائةَ مرةٍ).
(رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن الأغر المزني أبو مالك، الرقم: 944، صحيح)
و معنى التسبيح والاستغفار معنى التسبيح يُقصَد بالتسبيح في اللغة: التنزيه من أيّ نَقص، وتسبيح الله -تعالى- هو: تنزيهُه، وتبرئته من العيوب والنقائص جميعها، والشهادة له بالكَمال المُطلَق؛ فالمسلم إذا حَمِد ربّه فقد أثنى عليه، وإن سبَّحَه فقد مَجَّده، ونفى عنه أيّ نَقص، وأكملَ بذلك حَمده، والتسبيح أحد أعظم الأذكار؛ قال -تعالى-: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)
(محمد نصر الدين محمد عويضة، فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، صفحة 208-209، جزء 7)
(سورة الروم، الآية: 17) .
واعلم أيها المؤمن العاقل أن للذِّكر فضل عظيم في الإسلام؛ فهو أحد الأذكار التي أمر الله -تعالى- بها، وهو مِمّا يتقرّب به العبد من ربّه -جلّ وعلا-، وقد وردت في فَضل هذا الذِّكر نصوص كثيرة في القرآن والسنّة؛ حيث ذُكِر في أكثر من ثمانين مرّة في القرآن الكريم بصِيَغ مختلفة، ومنها صيغة الأمر، كما في قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)
(سورة الأحزاب، الآية: 41)
، ومنها ما ورد بصيغة الماضي، كما في قوله -تعالى-: (سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)
(سورة الحديد، الآية: 1)
وقد ورد أيضاً بصيغة المضارع، كما في قوله -تعالى-: (يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)
(سورة الجمعة، الآية: 1)
و الاستغفار يعني الاستغفار في اللغة: طلب المغفرة، واستغفار العبد هو: طلبه الوقاية من شَرّ الذنوب، وسَترها، وقد كَثُر ذِكر الاستغفار في القرآن الكريم .
وغفران الذنب يعني: أنّ يستر الله -تعالى- ذَنب العبد عن الناس، ويَقِيه شَرّ الفضيحة التي قد يتسبّب فيها كَشف الذَّنْب، والسَّتر هنا يكون في الدُّنيا والآخرة، فإن عفا الله -تعالى- عنه، وسَتَر ذنوبَه، أسقطَ عنه المُؤاخَذة عليها، ولم يُعاقبه عليها؛ بفَضله، ورحمته، وهذا من معاني اسمَي الله الغفّار، والغفور؛ وهما صيغة مبالغة تعني: سَتر الله ذنوبَ عباده، وتَرك مُؤاخَذتهم عليها، واستغفار العبد رَبّه يعني: نَدَمه على ما كان منه، وعَزْمه على تَركه، وعَقد النيّة في قلبه على أداء ما ضَيَّعه من فرائض الله -تعالى-، ورَدّ المظالم إلى أصحابها؛ سواءً كانت مَظالم نفسيّة، أو مادّية، وتَرك المال الحرام، والبحث عن الرزق الحلال، والجهاد في الطاعة، والتألُّم حال الوقوع في المعصية.
وفضل ذكر الله تعالى يَسَّر الله -تعالى- لعباده بعض العبادات التي يرفعهم بها، ويُثيبُهم عليها، ويُعطيهم أجراً كبيراً، ومن ذلك ذِكر الله -تعالى-؛ فذِكر الله -تعالى- واحد من أَجَلّ العبادات، وأفضلها في الإسلام، ومن فَضلها أنّ الله -تعالى- وصفَ بها عباده، وأضاف الوَصف إلى نفسه؛ إذ قال: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)
(ابن رجب الحنبلي، أسباب المغفرة، صفحة 3).
( محمد نصر الدين محمد عويضة، فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، صفحة 207، جزء 7.)
( سورة الأحزاب، الآية: 35) .
ومن أعظم فضائل ذِكر الله -سبحانه- أنّ مَن يذكره في جماعة، ذَكَره الله -تعالى- عنده في ملأ أفضل، وخير من الملأ البشريّ الذي ذُكِر فيه، وذِكر الله -تعالى- يُورث العبد مَعيّة الله في كلّ وقت وحين، وقد ورد ذلك في قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (يقولُ اللَّهُ تَعالَى: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ).
(رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الرقم: 7405، صحيح)
ثم لتعلم أن الكون كله علوه وسفله مسبح ذاكر لله تعالي بأشجاره وأحجاره وجماله وجماده.
(وإن من شيء إلا يسبح بحمده)
إن الكون بكائناته جميعاً يسبح الله، ويثني على الله، ويمجد الله تسبيحاً وثناءً لا نفهمه، الله سبحانه وتعالى يعلمه:
{ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)
[سورة الإسراء ، الآية:44]
نعم … إنه التسبيح لله تعالي
سبحت الكائنات بحمده فملأ الكون تسبيحها، سبحه النبات جمعه وفريده، والشجر عتيقه وجديده، أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده، سبحته الحيتان في البحار الزاخرات، سبحته الوحوش في الفلوات، تسبحه نغمات الطيور، يسبحه الظل تحت الشجر، يسبحه النبع بين المروج، يسبحه النَور بين الغصون، وسحر المساء وضوء القمر، فسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: { ما تستقل الشمس، فيبقى شيء من خلق الله إلا سبح الله بحمده، إلا ما كان من الشياطين وأغبياء بني آدم }
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، غباء وأي غباء أن يسخر الله لك كل ما حولك بمنه وكرمه، ثم يسبحه كل مسخر لك وأنت غافل غبي أخرس أحمق.
سل الواحة الخضراء والماء جاريا وهذه الصحاري والجبال الرواسيا
سل الروض مزداناً سل الزهر والندى سل الليل والإصباح والطير شاديا
وسل هذه الأنسام والأرض والسما وسل كل شيءٍ تسمع الحمد ساريا
فلو جم هذا الليل وامتد سرمداً فمن غير ربي يرجع الصبح ثانيا
سبحان الله وبحمده، وسبحان الله العظيم، ليس شيءٍ إلا وهو أضرع لله من بني آدم، الكون كله بكائناته يسجد لله ويخضع ويذل وتبقى فئة من الناس صادةٌ نادةٌ نشازٌ في هذا الكون لا تستحق الحياة، فانظر إلى تلك الحشود -كما يقول سيد قطب رحمه الله- حشد من الخلائق مما يدرك الإنسان ومما لا يدرك، وحشد من الأفلاك مما يعلم الإنسان ومما لا يعلم، حشد من الملائكة، حشد من الجبال والشجر والدواب، حشد من خلق الله كلها في موكب خاشع ذليل تسجد لله وتتجه إليه لا إلى سواه في تناسق ونظام عجيب؛ إلا هذا الإنسان يتفرق فجزء منه يتنكب الموكب نشاز لا يستحق الحياة
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ }
[سورة الحج ، الآية: :18] .
فانظر إلى قهره، وانظر إلى ذل خلقه، كل ما في الكون يأتي خاضعاً ذليلاً ساجداً لله.
يدين له النجم في أفقه يدين له الفلك الدائر
يدين له الفرخ في عشه ونسر السما الجارح الكاسر
تدين البحار وحيتانها وماء سحاباتها القاطر
تدين له الأُسْدُ في غابها وظبي الفلا الشارد النافر
يدين له الذر في سعيه يدين له الزاحف والناشر
تدين النجاد تدين الوهاد يدين له البَرُّ والفاجر
يدين الجلي يدين الخفي يدين له الجهر والخاطر
تدين الحياة يدين الوجود يدين المقدر والحاضر
وكل العباد إليه رجوع وفوق العباد هو القاهر
الشجر والحجر والمدر يلبي ويوحد الله مع الحاج الملبي، ثبت في الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم قال: { ما من ملبٍ يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من هاهنا ومن هاهنا } .
فالحظ أيها المسكين يتيم العقل والقلب والتفكير قف حيث أنت….فالكون كله ..نعم كله يتفاعل مع توحيد الله عز وجل.
كل كنى عن شوقه بلغاته ولربما أبكى الفصيح الأعجم
بل إن الشجر ليشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى الدارمي بإسنادٍ صحيح كما قال صاحب المشكاة ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: { كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فأقبل أعرابيٌ فلما دنا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: هذه السلمة -حِجرة السلمة- فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في شاطئ الوادي فأقبلت تهز الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها صلى الله عليه وسلم فشهدت ثلاثاً أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، ثم رجعت إلى منبتها } إن في ذلك لآية.
وقد روى الترمذي أيضاً كما في الصحيحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: { جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! بم أعرف أنك نبي؟
قال صلى الله عليه وسلم: إن دعوت هذا العذق شهد أني رسول الله، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ينزل العذق من النخلة حتى سقط إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم شهد، ثم قال صلى الله عليه وسلم له: ارجع، فرجع إلى مكانه، فقال الأعرابي: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ودخل في دين الله } .
ألم يمر بذهنك لحظة من حياتك وأنت تعلم عبودية الشجر لله ما روى البخاري عن سهل بن سعد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها } فاشتاقت نفسك لظل هذه الشجرة فأحسنت التعامل مع الله لتكون من أهلها بإذن الله .

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.