ياقوتة نبوية بقلم د/ محمد بركات

17

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ) [رواه الترمذي]
، فهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام ومنهج واضح يسير عليه المسلم في حياته، أنه يأخذ بما يعنيه ويشتغل به ويترك ما لا يعنيه ويتجنبه، فلو أن المسلم التزم بهذا المنهج لحصل على خير كثير ولسلم من شر كثير.
وهذا الحديث قد عده أهل العلم من الأحاديث القليلة الجامعة التي بني عليها الدين، قال الإمام أبو عمر بن الصلاح -رحمه الله تعالى-: “جملة آداب الخير وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث: “آداب الخير كلها تتفرع من أربعة أحاديث:
“قول النبي ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، وقوله صلى الله عليه وسلم: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وقوله صلى الله عليه وسلم للذي اختصر له في الوصية: لا تغضب، وقوله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
هذه الأربعة الأحاديث التي عليها مدار الخير وأزمته، ومنها هذا الحديث الذي نتحدث عنه.
وقال أبو داوود -رحمه الله-: “اجتهدت في جمع المسند فوجدته أربعة آلاف حديث ثم نظرته ثم نظرت فإذا مدارها على أربعة أحاديث” وذكر هذا منها.
فأما قوله ﷺ: من حسن إسلام المرء، فقد جاء بالتعبير بالإسلام هنا ليدخل فيه جميع الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة التي تدخل في تعريف الإسلام، وقوله : تركه يعني: ودعه، والكف عنه، والابتعاد بجميع وسائل الترك.
معنى: ما لا يعنيه: وأما جملة: ما لا يعنيه فهذه التي عليها المدار في الكلام، وهي اللب الذي فقده كثير من أصحاب العقول الجوفاء فغدت قلوبهم خاوية على عروشها، ماذا يفهم الناس الآن من قوله ﷺ: ما لا يعنيه؟
يفهمون عدم التدخل بالشؤون الخاصة التي لا تخصهم هذا هو فهمهم لهذا الحديث؛ فلذلك في عرفهم واستقر في أفهامهم أنه لا يجوز لك أن تتدخل في حريته الشخصية لكي تنصحه بأمر محرم هو مقيم عليه، أو خطأ ملازم له؛ ولذلك لا يقبلون نهائياً لأنهم يعتبرون أن الحرية التي هي داخلة في هذا الحديث تتعارض مع أمرك ونهيك لهم.
وأما كلمة: يعني فإنها تتعلق بالعناية، والعناية وهي شدة الاهتمام بالشيء، فالمعنى يعني: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه أي: ما لا يهمه في دنياه وآخرته، ما لا يهمه في دنياه وآخرته، وكلمة: لا يعنيه لا تفهم كما قال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: “لا تفهموا بالهوى، وطلب النفس”،
يعني: كل واحد يفهم ما لا يعنيه على كيفه، يقول: أنا أفهم أن هذا الأمر لا يعنيني، إذاً هو لا يعنيني، إذاً لا أتدخل فيه، لا، ما لا يعنيه، يعني: بحسب مقياس الشرع، وبحكم الشرع والإسلام؛ ولذلك كان لا بد من الرجوع في مصطلحاتنا وتعاريفنا ومفهوماتنا وتصوراتنا إلى الدين الحنيف دائماً، وعدم الاستقاء مما ترسب في النفس من مفهومات هذه الحياة الجاهلية، وإلا فإن الضلال ملازم حتماً لكل من فعل هذا.
وهذا الحديث الشريف له منطوق وله مفهوم، منطوقه أن المسلم يترك ما لا يعنيه من الأقوال والأعمال أي ما لا يفيده ولا ينفعه ولم يكلف به، وأنه يعمل ما يعنيه وما يخصه وما يعود عليه بالنفع في دينه ودنياه وذلك بأن يبدأ بنفسه فيعمل لها ما يصلحها ويجنبها ما يضرها من الأقوال والأعمال، فمن الأقوال لا يتكلم إلا بما فيه خير ومصلحه عاجله أو آجله قال الله جل وعلا: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً).
فهذا فيه إحسانٌ إلى نفسه وإحسان إلى الناس، وهو الأمر بكل خير وطاعة وما فيها مصلحة له ولغيره، فلا يستعمل لسانه إلا بذلك ولا ينطق بما يضره ويضر غيره من الأكاذيب والشائعات أو من السب والشتم أو من غير ذلك قال الله جل وعلا: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ) يعني الملكان (عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ* مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) فأقوالك محصاة ومكتوبة
وليعلم العبد أنه سيحاسب عنها، فإن كانت صالحةً جنيت منها الخير عاجلاً وآجلا، وإن كانت سيئة جنيت منها الشر عاجلاً وآجلا .
ففي الحديث: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ يهوي بها في جهنم ، فالكلمة الواحدة هذا شأنها، فكيف بالكلام الكثير؟ (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ )
أي: من كلامهم إلا ما استثناه الله سبحانه وتعالى فاحفظوا ألسنتكم، فالإنسان لا يتكلم إلا بما فيه مصلحه لنفسه ومصلحة لإخوانه بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعلم الجاهل ويذكر الغافل ويدعو إلى الله هذا فيما ينفع الناس، وفيما ينفع نفسه يشتغل بذكر الله وبتلاوة القرآن بالتسبيح والتهليل والتكبير ويكثر من ذلك فإنه ذخر له عند الله سبحانه وتعالى، ويتجنب الكلام السيء.
، فقد سأل معاذ بن جبل رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ قال: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِى النَّارِ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ الإنسان يتساهل في الكلام ولا يلقي له بالاً يتلقف الشائعات والأكاذيب ويروجها بين الناس (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) يذيعه بين الناس (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)
، فعلى المسلم أن يحفظ لسانه إلا في الخير، وكذلك الأعمال فلا يعمل إلا ما فيه خير ونفع عاجل أو آجل والأعمال الصالحة والأعمال المفيدة كثيرة ولله الحمد، وفيها ما يشغل المسلم ويأخذ فراغه ووقته ولا ينشغل بما فيه ضرر عليه لا يشتغل بالقيل والقال وسماع الكلام وسماع الملاهي والمعازف والمزامير لا ينظر فيما يضره ولا يسمع ما يضره ولا يتكلم إلا بما ينفعه (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)
، فالإنسان مسئول عن هذه الحواس وعن هذه الأعضاء ما يعمل بها فهو يجني على نفسه أو يجني لنفسه مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ فاتركوا ما لا يعنيكم واشتغلوا بما يعنيكم ويفيدكم ويجلب لكم الخير في الدنيا والآخرة ما ينفعكم وينفع مجتمعكم وإخوانكم، أسعوا بالإصلاح بين الناس، أسعوا بما ينفع الناس من الأمر بالصدقات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتنالوا هذا الوعد من الله سبحانه (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)، فتنبهوا لذلك فإن الأمر خطير جدا، وكلما تأخر الزمان كثر الانشغال بالقيل والقال والغفلة عن ذكر الله وانطمست أعلام الخير إلا فيما وفقه الله سبحانه وتعالى وذلك لإقبال الدنيا على الناس وانفتاحها على الناس خصوصاً في هذا الوقت الذي تقاربت فيها الأقطار بواسطة وسائل النقل السريعة وبواسطة وسائل الإعلام السريعة حتى ما يحصل في أقصى العالم يبلغ أقصاه في لحظة واحدة، إما أن يكون خيراً وهذا قليل، وإما أن يكون شراً وهذا كثير، فأنقذوا أنفسكم أنقذوا أنفسكم من هذه الأخطار تعيشون الآن بين أخطار عظيمة وتيارات جذابة فخذوا حذركم وخذوا بأنفسكم خذوا بأولادكم وأهليكم إلى طاعة الله وانهوهم عن معصية الله فإنكم مسئولون عنهم خذوا بأيدي إخوانكم المسلمين فأنتم مكلفون بذلك قال صلى الله عليه وسلم: كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وصاحب البيت رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ من الذي يسألكم؟ إنَّه العليم الخبير الذي لا يخفى عليه شيء، فتأهبوا للسؤال وأعدوا الجواب، فإنه لا ينجي عند الله إلا الصدق اليوم ينفع الصادقين صدقهم، فالله جل وعلا لا يروج عليه الكذب لا يروج عليه البهتان والاحتيالات والتزوير لأنَّه يعلم كل شيء ولا يخفى عليه شيء وهو محيط بكل شيء.
وترك ما لا يعني، يشمل: المحرمات، أو المشتبهات، أو المكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، وما لا يعني قد تكون في النفس، وقد تكون في الناس، قد يكون من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه في نفسه، أو تركه ما لا يعنيه في أمور الناس، فمن الأشياء التي تركها ما لا يعنيه في نفسه مثل اللهو واللعب، أو السفر الذي لا فائدة من ورائه، لا فائدة دينية، كطلب العلم، ولا فائدة دنيوية مشروعة، كالعلاج أو التجارة، هذا اللهو، أو اللعب، أو الأسفار هل تعنينا ؟ هل تعنيك؟ هل هي مهمة لك في دنياك وآخرتك؟
ويدخل في هذا مثلاً مطالعة الأخبار الدقيقة، بمعني التجسس والتلصص علي ما خفي عنك
فالحديث دعوة ليشغل الإنسان نفسه بالخير الذي يفيده في دينه ودنياه.
اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وارزقنا من فضلك وحولك وقوتك.