آه يا بحر

آه يا بحر
بقلمي هدى عبده
آهٍ يا بحرُ كم شكوتُ مواجعي
ولكم دفنتَ صراخَ قلبي في القرارِ
جلستُ وحدي والليالي حولَنا
تطوي السنينَ وتستبيحُ من النهارِ
والبحرُ عاتٍ والزَّبَدُ فوقَ المدى
كالثلجِ فوقَ جراحِ قلبي المستعارِ
أيامُ عمري قد تشابهَ صبحُها
وتشابهتْ فيها الملامحُ والديارِ
وسنينيَ انطلقتْ كأنَّ سُفنَها
تمضي بغيرِ هوادةٍ نحوَ البحارِ
وجزيرةُ الأحزانِ ضلَّتْ في المدى
تجري بها ريحُ الأسى بينَ القفارِ
وخريفيَ الجبّارُ أثقلَ مهجتي
وأتى على ما كانَ في قلبي منَ الأزهارِ
ناديتُ موجَ البحرِ أعلى صرخةٍ
فابتلعَ الموجُ العظيمُ صدى انكساري
وأحاطَ بي ليلُ المصيرِ كأنني
ورقٌ تذروهُ الرياحُ بلا قرارِ
ودلفتُ نحوَ الماءِ أطلبُ غيبتي
فتموَّجتْ حولي ظلالُ الانتحارِ
كانَ الجَزْرُ عنيفَ وقعِ خطاهُ
والبحرُ يزعمُ أنَّهُ ربُّ الدمارِ
نادانيَ الموجُ الأزرقُ في غفلةٍ
هَيّا إليَّ فهذي آخرُ الأسفارِ
فبكيتُ من فقدِ الحبيبِ وقلتُ يا
بحرُ الحنانُ أليسَ فيكَ منَ القرارِ
كانَ الحبيبُ إذا أتى يُحيي المدى
ويضمُّ قلبي من شتاتِ الانكسارِ
كانَتْ يداهُ إذا لامستا مهجتي
تجري كأنفاسِ الربيعِ على الديارِ
كنتُ الفراشةَ في الصباحِ أتنقّلُ
بينَ الزهورِ كأنني سرُّ النهارِ
حتى غدوتُ أسيرةَ الموجِ الذي
أعمى بصيرتي واستباحَ ليَ المدارِ
وأفقتُ بعدَ غيابةٍ من موجتي
فوجدتُ نفسي وحدَها وسطَ الدمارِ
فنهضتُ أُصارعُ الحنينَ وعبرتي
وأضمُّ ما بقيَ من الحلمِ المنهارِ
وأقولُ يا قلبي كفاكَ تشرُّدًا
فالحبُّ إن ضلَّ الطريقَ بلا قرارِ
ما كلُّ موجٍ سوفَ يبقى عاتياً
فوراءَ كلِّ انكسارِ فجرُ انتصارِ
وإذا تبدّلَ في الحياةِ مدٌّ وجزرٌ
فأنا سأبقى شامخًا رغمَ البحارِ
يا بحرُ خذ حزني ودع ليَ مهجتي
يكفينيَ أني لم أبعْ روحِي للعارِ
سأظلُّ أمشي في الحياةِ وإن مضتْ
أيامُ عمري في دروبٍ من غبارِ
فالحلمُ إن خذلَ المرافئَ مرةً
سيعودُ يوماً بالضياءِ إلى الديارِ
د.هدى عبده



