أثر الرحيل لا أعرف متى تنتهي المشاعر... ولا أعرف إن كانت تنتهي أصلًا. ربما هي لا ترحل كما نعتقد... ربما تغيّر مكانها فقط، تختبئ في أعمق نقطةٍ في الروح، تنتظر لحظةً واحدة لتُثبت أنها لم تغادر. فبعض الأشياء لا تحتاج إلى عودةٍ كي تحضر... يكفي أن يخطئ الزمن لحظةً واحدة. صوتٌ يشبه الماضي... تفصيلٌ صغير يمرّ دون أن ينتبه إليه أحد... مكانٌ يحتفظ بصمته القديم... فتنهض من الداخل أشياء ظننا أن العمر دفنها. وأقف أمام هذا الشعور حائرة... كيف استطاع أن يبقى كلَّ هذا الوقت، بينما تغيّر كلُّ شيء حوله؟ العمر مضى. الوجوه تبدّلت. الأيام حملت معها الكثير. إلّا هو... ما زال يقف عند الباب نفسه، بالإنتظار نفسه، كأنّ الزمن لم يخبره أن الحكاية انتهت. أحيانًا أشعر أنني لا أحمل هذا الشعور في قلبي... بل أحمله في مكانٍ أعمق. في زاويةٍ لا يصل إليها الزمن، ولا يقوى عليها المنطق. كأن جزءًا من روحي بقي هناك، عند لحظةٍ لم تعد موجودة، يراقب الوقت وهو يمرّ من بعيد. وهذا هو التعب الذي لا يراه أحد... أن تمضي بك الحياة إلى الأمام، بينما يبقى في داخلك طريقٌ قديم يرفض أن يُهدم. تلتقي بأيامٍ جديدة. تفتح أبوابًا جديدة. تتعلم وجوهًا جديدة. لكن هناك جهةٌ واحدة في داخلك... ما زالت تعرف الطريق إلى المكان الأول. ولعلّ أقسى ما يفعله الغياب... أنه لا يأخذ الأشخاص فقط. أحيانًا يأخذ الطريقة التي كنّا ننظر بها إلى العالم. يجعل الأشياء نفسها أقل شبهًا بما كانت عليه. ويترك في الروح سؤالًا لا يجد جوابًا: كيف ينجح الزمن في تغيير كل شيء... ثم يعجز عن تغيير شعورٍ واحد؟ لهذا... لا أخاف مرور السنوات. أخاف فقط... أن تصل السنوات إلى كلِّ شيءٍ في داخلي... إلّا ذلك المكان الذي ما زال ينتظر.