المقالات والسياسه والادب

أسرى الفراغ الرقمي حين يتحول الهاتف إلى ساحة للهجوم على الآخرين

بقلم: نور شاكر

أسرى الفراغ الرقمي.. حين يتحول الهاتف إلى ساحة للهجوم على الآخرين

هناك أشخاص يبدو أن يومهم لا يكتمل إلا بالتنقل بين الحسابات ومراقبة الناس وتتبع تفاصيل حياتهم وإطلاق الأحكام عليهم من خلف الشاشات يقضون ساعات طويلة على الهاتف لا بحثا عن المعرفة ولا سعيا وراء هدف بل في مطاردة المنشورات وافتعال النقاشات وكتابة التعليقات وكأن حياتهم أصبحت مرتبطة بما يحدث عند الآخرين أكثر من ارتباطها بما يحدث في حياتهم هم
المشكلة ليست في استخدام الهاتف ولا في امتلاك أكثر من حساب فهذه أمور عادية بحد ذاتها وإنما في أن يتحول هذا الاستخدام إلى وسيلة للتدخل في شؤون الآخرين والتقليل منهم ومهاجمتهم وتوزيع الأحكام وكأن أصحابها يمتلكون الحقيقة المطلقة بينما هم لا يعرفون عن حياة من ينتقدون إلا ما تسمح به شاشة صغيرة
والأغرب من ذلك أن بعضهم يمتلك وقتا كافيا لفتح حسابات متعددة ومراقبة الأشخاص والرد على عشرات المنشورات وكتابة مئات التعليقات في اليوم الواحد والدخول في نقاشات لا بداية لها ولا نهاية وكأن لديه رسالة عظيمة يؤديها في كل خلاف لكن عندما تلتقي به في الواقع بعيدا عن الشاشة والأسماء المستعارة تكتشف أن الصورة مختلفة تماما فلا حديث ممتع ولا أفكار واضحة ولا قدرة على إدارة حوار بسيط بل قد يعجز عن التعبير عن رأيه بكلمتين متماسكتين
وهنا يظهر الفرق بين من يمتلك حضورا حقيقيا في الحياة ومن يكتفي بصناعة حضور افتراضي فليس كل من يكتب كثيرا يمتلك فكرة وليس كل من يجادل طويلا يمتلك حجة وليس كل من يرفع صوته خلف الشاشة يملك الشجاعة نفسها في مواجهة الناس وجها لوجه
بعض النقاشات على مواقع التواصل لا تهدف إلى الوصول للحقيقة ولا إلى تبادل الآراء بل إلى استهلاك الوقت وإثبات الذات على حساب الآخرين فيتحول الاختلاف إلى خصومة والرأي إلى اتهام والتعليق إلى محاولة لإثارة الجدل وفي النهاية لا يتغير شيء ولا يستفيد أحد سوى أن ساعات أخرى ضاعت في معارك افتراضية لا تضيف إلى الحياة قيمة حقيقية
والسؤال الذي يستحق التأمل هنا لماذا يجد البعض متعة في مراقبة حياة الآخرين وانتقادهم أكثر مما يجدونها في بناء حياتهم الخاصة ولماذا يصبح التدخل في تفاصيل الناس أسهل من مواجهة الفراغ الشخصي والعمل على تطوير الذات واكتشاف اهتمامات حقيقية تمنح اليوم معنى
قد تكون هناك أسباب مختلفة وراء هذا السلوك من البحث عن الاهتمام إلى الرغبة في الشعور بالتأثير أو الهروب من الملل والوحدة لكن مهما اختلفت الأسباب تبقى الحقيقة أن الانشغال الدائم بالآخرين لا يصنع حياة ممتلئة وأن كثرة التفاعل لا تعني بالضرورة وجود تواصل حقيقي كما أن كثرة الكلام لا تعني امتلاك الوعي
فالإنسان الذي لديه ما يشغله وهدف يسعى إليه وعلاقات حقيقية يحافظ عليها يدرك أن وقته أثمن من أن يبدده في مراقبة الناس وتتبع أخطائهم وافتعال الخلافات معهم ولا يعني ذلك أن ينعزل عن العالم أو يمتنع عن إبداء رأيه بل أن يعرف متى يتحدث ولماذا يتحدث وما القيمة التي يضيفها كلامه
في النهاية ليست المشكلة في أن يقضي الإنسان وقتا على الهاتف بل في أن يقضي عمره منشغلا بحياة الآخرين بينما تظل حياته هو بلا اتجاه وليست العبرة بعدد الحسابات التي يديرها ولا بعدد التعليقات التي يكتبها ولا بعدد الأشخاص الذين يدخل معهم في جدال بل بما يمتلكه من وعي وما يقدمه من قيمة وما يستطيع أن يكونه خارج حدود الشاشة
فالحضور الحقيقي لا يقاس بضجيج الحسابات والوعي لا يثبت بكثرة الجدال والشخصية لا تصنعها التعليقات وأحيانا أكثر الناس انشغالا بالحديث عن الآخرين هم أكثرهم حاجة إلى الالتفات إلى حياتهم الخاصة لا ليصبحوا أفضل من أحد بل ليجدوا أخيرا ما يستحق أن يعيشوا من أجله بدلا من أن يجعلوا حياة الآخرين موضوعهم اليومي الذي لا ينتهي

مقالات ذات صلة