المقالات والسياسه والادب

أصعب وجع كتبت/د/شيماء صبحي

أصعب وجع إنك تهتم بحد من قلبك.. وهو يبقى كل همه إزاي يكسرك ويخسرك!
عارفين إيه أكتر حاجة بتوجع في العلاقات؟ مش إنك تحب حد ويمشي، ولا إنك تتعلق بحد ويختار يبعد، ولا حتى إنك تكتشف إنك كنت لوحدك في علاقة فاكر إنكم فيها اتنين.
أصعب وجع بجد، إنك تهتم بحد من قلبك، وتخاف عليه أكتر ما بتخاف على نفسك، وتحاول تحافظ عليه بكل الطرق، وتراعي مشاعره حتى وإنت موجوع منه، وتعدّي له حاجات لو حد تاني عملها معاك مكنتش هتقبلها أبدًا.. وفي الآخر تكتشف إن الشخص اللي كنت بتحاول تحافظ عليه، هو نفسه اللي بيحاول يكسرك!
تخيل تبقى بتفكر إزاي تراضيه، وهو بيفكر إزاي يثبت لك إنك مش فارق معاه.
تبقى بتدور على كلمة تطمنه بيها، وهو بيختار كلام يوجعك.
تبقى بتلمّ العلاقة من كل ناحية علشان متقعش، وهو كل شوية يشدّ منها حتة لحد ما تنهار.
تبقى خايف تخسره، وهو بيتصرف بطريقة تخليك تخسر نفسك وإنت بتحاول متخسروش!
والأغرب من كل ده، إنك ممكن تفضل فترة طويلة تدافع عنه قدام نفسك، وتخلق له أعذار من عندك.
تقول لنفسك: يمكن مضغوط، يمكن تعبان، يمكن عنده مشاكل، يمكن مش بيعرف يعبّر، يمكن أنا فهمته غلط، يمكن بكرة يتغير، يمكن لما أحسسه إني بحبه أكتر يقدّرني.
وتفضل كلمة «يمكن» دي معلّقاك في علاقة بتوجعك، ومستني من الشخص اللي بيتسبب في وجعك إنه يبقى هو نفسه سبب راحتك.
بس الحقيقة اللي بتوجع إن مش كل الناس اللي بنهتم بيها بتعرف قيمة الاهتمام، ومش كل الناس اللي بنحبها بتعرف تحافظ على الحب، ومش كل شخص بنقدمله الأمان بيبقى حريص إنه ميخوفناش منه.
في ناس بتتعود على وجودك لدرجة إنها تنسى إن وجودك اختيار، مش فرض.
تتعود على إنك بتسامح، فتتمادى.
تتعود على إنك بترجع مهما حصل، فتفتكر إن مفيش حاجة ممكن تخليك تمشي.
تتعود على إنك بتخاف على زعلها، فتستهين بزعل قلبك.
ومع الوقت، بدل ما اهتمامك يبقى حاجة غالية عندها، بيتحول لحاجة مضمونة في نظرها، وبدل ما تحافظ عليك علشان إنت شخص مهم في حياتها، تبتدي تختبر قدرتك على الاحتمال، وكأن الحب معناه إنك تستحمل أي حاجة من غير ما تعترض!
لكن لأ.. الحب مش امتحان مستمر للصبر، ومش مطلوب منك كل يوم تثبت إنك تقدر تستحمل وجع أكتر من اليوم اللي قبله.
إنت مش مطالب تدفع من صحتك النفسية وكرامتك تمن وجود حد في حياتك.
واللي بيحصل أحيانًا إنك من كتر ما بتحاول تحافظ على العلاقة، بتنسى تحافظ على نفسك.
بتسكت عن كلمة وجعتك، وبعدها عن موقف كسرك، وبعدها عن غياب مالوش تفسير، وبعدها عن إهمال بقى عادة، لحد ما تلاقي نفسك مش عارف إنت زعلان من إيه بالظبط، لأن الوجع مبقاش موقف واحد.. الوجع بقى تراكم سنين من الحاجات اللي عدّيتها على أمل إنها متتكررش.
والأصعب إنك ممكن تكون لسه بتحب الشخص ده، ولسه بتتمنى له الخير، ولسه جواك حتة بتفرح لما يطمن عليك، رغم إنك عارف كويس إنه أتعبك.
وده مش معناه إنك ضعيف، ولا إنك قليل الكرامة، لكنه معناه إن مشاعرك ليها تاريخ، وإن القلب مش زرار بندوس عليه فيفصل في لحظة.
بس فيه فرق كبير بين إنك تحب حد، وبين إنك تفضل تسمح له يأذيك علشان إنت بتحبه.
فيه فرق بين إنك تسامح، وبين إنك تدي تصريح مفتوح بتكرار الأذى.
وفيه فرق بين إنك تتمسك بإنسان، وبين إنك تتعلق بأمل إنه في يوم يبقى الإنسان اللي إنت كنت متخيله.
وأكتر حاجة بتكسر القلب، إنك تكتشف إنك كنت بتحارب علشان تحافظ على حد، وهو كان بيحارب علشان يثبت لك إنك مش هتقدر تعيش من غيره، أو علشان يشوف لحد فين ممكن يستحملك قلبك.
وساعتها بتبدأ تسأل نفسك أسئلة كتير:
هو أنا عملت إيه علشان أستاهل كل ده؟
هو أنا قصّرت في إيه؟
هو اهتمامي كان غلط؟
هو لما كنت بخاف عليه، كنت بقلل من نفسي؟
هو لما كنت بسامح، كنت بشجعه إنه يتمادى؟
والحقيقة إن مش كل أذى بتتعرض له معناه إنك غلطان، ومش كل علاقة فشلت معناها إنك مكنتش كفاية.
ممكن تكون عملت اللي عليك وزيادة، وممكن تكون كنت صادق فعلًا، وممكن تكون قدمت حب حقيقي لشخص مش قادر يبادلك نفس القدر من المسؤولية والاهتمام.
وممكن كمان تكون العلاقة بقت مؤذية بسبب تصرفات من الطرفين، لكن ده برضه مش معناه إنك لازم تفضل فيها لحد ما تنهار.
المهم متحوّلش التجربة لمحاكمة لنفسك، ولا تفضل طول عمرك بتحاول تثبت إنك تستحق الحب لحد اختار يعاملك بطريقة وجعتك.
إنت تستحق علاقة تقدر تتكلم فيها من غير ما تخاف من العقاب، وتزعل فيها من غير ما يتقال عليك نكدي، وتطلب فيها الاهتمام من غير ما تحس إنك بتشحت مشاعر، وتختلف فيها مع الطرف التاني من غير ما يهددك بالبعد أو يستخدم نقاط ضعفك ضدك.
تستحق حد لما يلاقيك موجوع يسألك مالك، مش يستغل وجعك علشان يوجعك أكتر.
حد لما تختلفوا مع بعض، يحاول يفهمك، مش يحاول يكسب الجولة على حساب نفسيتك.
حد يعرف إن الاعتذار مش كلمة بنقولها علشان نقفل الموضوع، لكن مسؤولية وتغيير في التصرفات.
لأن الحب الحقيقي مش معناه إننا عمرنا ما هنغلط في حق بعض، لكن معناه إننا لما نغلط، نبقى مستعدين نصلّح، ونراجع نفسنا، ونحترم الوجع اللي تسببنا فيه.
أما إن كل مرة تتوجع فيها تلاقي نفسك إنت اللي بتعتذر، وإنت اللي بتراضي، وإنت اللي بتخاف العلاقة تنتهي، والطرف التاني مش شايف غير غلطك، فهنا لازم تقف وتسأل نفسك: هو إحنا فعلًا بنحاول نصلّح العلاقة، ولا أنا الوحيد اللي بحاول أمنعها من الانهيار؟
لأن العلاقة اللي محتاجة مجهود طرف واحد علشان تفضل عايشة، بتستنزف الطرف ده لحد ما ينسى هو نفسه كان عايش إزاي قبلها.
وخلي بالك، مش كل اللي بيحاول يخسرك هيقول لك صراحة إنه عايز يمشي.
فيه ناس بتبعد وهي موجودة، وتهمل وهي جنبك، وتوجعك وهي بتقول لك إنها بتحبك، وتسيبك محتار بين كلام حلو وتصرفات بتقول عكسه.
لكن برضه لازم نبقى منصفين، مش كل خلاف معناه إن الشخص عايز يكسرك، ومش كل تصرف وحش معناه إنه متعمد يخسرك. علشان كده، متحكمش من موقف واحد، بص للنمط المتكرر، ولطريقة التعامل بعد الخلاف، وللاستعداد الحقيقي للتغيير.
الفرق بيبان لما تتكلم بوضوح، وتحط حدود، وتشرح إيه اللي بيوجعك. هل الشخص بيسمعك وبيحاول يتغير؟ ولا بيقلل من مشاعرك، ويلومك على وجعك، ويرجع يكرر نفس التصرف وكأن كلامك ملوش قيمة؟
هنا الإجابة مش محتاجة ألف تفسير.
ولو وصلت لمرحلة إنك بقيت بتخاف تتكلم، وبتحسب كل كلمة، وبتراجع نفسك طول الوقت علشان متزعلوش، وبتحس إنك لازم تتنازل عن حقك علشان الدنيا تهدى، فافتكر إن الهدوء اللي بييجي على حساب كرامتك وراحتك مش دايمًا سلام.
أوقات كتير، أول خطوة للراحة إنك تبطل تحاول تقنع حد بقيمتك، وتبدأ تتعامل مع نفسك على إن قيمتك مش متوقفة على اعترافه بيها.
مش لازم تكرهه علشان تبعد.
ومش لازم تنسى كل الذكريات الحلوة علشان تعترف إن فيه وجع بقى أكبر من قدرتك على الاحتمال.
ومش لازم تثبت إنه إنسان وحش علشان تقرر إن العلاقة دي مش مناسبة ليك.
ممكن تحترم اللي كان بينكم، وتتمنى له الخير، وفي نفس الوقت تختار إنك متكملش في وضع بيأذيك.
وممكن تكون لسه بتحبه، لكنك أخيرًا فهمت إن الحب لوحده مش كفاية، وإن أي علاقة محتاجة احترام وأمان ومسؤولية متبادلة، مش مجرد مشاعر حلوة بتظهر وقت ما الطرف التاني يخاف يخسرك.
وفي يوم من الأيام، هتبص وراك وتفهم إن أكتر حاجة تعبتك مكنتش بس إنك خسرت الشخص ده، لكن إنك فضلت فترة طويلة بتخسر من نفسك علشان تحافظ عليه.
هتفهم إنك كنت بتدي من قلبك، وده مش عيب، وإنك كنت صادق، وده مش ضعف، وإن المشكلة مش إنك عرفت تحب بعمق، لكن إنك فضلت مستني نفس العمق من شخص مش بيقدمه لك.
وساعتها هتتعلم إنك تدي من قلبك، آه، لكن بعقل كمان. تهتم، لكن متلغيّش نفسك. تسامح، لكن متسمحش بتكرار الأذى بلا نهاية. تتمسك، لكن لما تلاقي إن التمسك بقى بيكسرك، تعرف إمتى توقف.
وفي النهاية، أكبر خسارة مش إنك تخسر حد كنت بتحبه.. أكبر خسارة إنك تفضل تحاول تكسبه لحد ما تخسر نفسك، وراحتك، وثقتك في قلبك، وتنسى إنك إنت كمان كنت محتاج حد يخاف عليك زي ما كنت بتخاف عليه.
وأصعب حقيقة ممكن توصل لها بعد رحلة طويلة من الوجع، إنك مش محتاج تنتقم من اللي كسرك، ولا تثبت له إنك بقيت أقوى، ولا تستنى اليوم اللي يندم فيه على خسارتك.
إنت محتاج بس ترجع لنفسك، وتعيش من غير ما تبقى مستني منه كلمة تراضيك، أو اعتذار يصلّح اللي فات، أو اهتمام متأخر يعوضك عن سنين من الإهمال.
يمكن يندم، ويمكن لأ.. ودي مش مسؤوليتك.
مسؤوليتك إنك متسيبش اللي حصل لك يحوّلك لشخص خايف من الحب، لكن يخليك شخص فاهم إن الحب من غير احترام بيتعب، وإن الاهتمام من غير تقدير بيستنزف، وإن التمسك من غير تبادل بيتحول مع الوقت لوجع.
افتكر دايمًا: إنت مش غلطان علشان اهتميت بصدق، لكن من حقك تتعلم إمتى تحط حد لاهتمامك، وإمتى تنقذ قلبك من علاقة بقت بتوجعه أكتر ما بتطمنه.

لأن في ناس خسارتها بتوجعنا فعلًا، لكن استمرارنا معاها ممكن يوجعنا أكتر بكتير.

مقالات ذات صلة