أكثر من 100 ألف غادروا غزة.. هل يعودون بعد إعادة الإعمار؟

أكثر من 100 ألف غادروا غزة.. هل يعودون بعد إعادة الإعمار؟
عبده الشربيني حمام
يواجه سكان قطاع غزة خيارات صعبة بشأن مستقبلهم في ظل تعثر مسار اعادة الاعمار وتواصل الضربات الاسرائيلية في وقت تصدم الرغبة في حياة أكثر أماناً واستقرارا بالخوف من فقدان الوطن.
وتدفع الظروف الاقتصادية والإنسانية المتدهورة آلاف العائلات إلى التفكير في السفر، حيث تشير استطلاعات الرأي أن مغادرة القطاع لا تعني بالضرورة لدى شريحة كبيرة من الغزيين التخلي عن فكرة العودة إليه بمجرد تحسن الظروف داخل القطاع المدمر.
ولم تعد الهجرة بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين في غزة مجرد بحث عن فرصة عمل أو تجربة معيشية جديدة، بل أصبحت مرتبطة بحاجات أساسية، مثل استكمال التعليم والحصول على العلاج وتأمين مستقبل الأطفال.
ومع استمرار تعثر إعادة الإعمار وعدم وضوح الترتيبات السياسية والإدارية للمرحلة المقبلة، يزداد تعقيد الخيارات المتاحة أمام السكان، خصوصاً مع القيود المفروضة على حركة الأفراد عبر المعابر.
وكان تقرير نشرته شبكة أخبار الشرق بعنوان «نصف الغزيين يفكرون في الرحيل وأكثرهم يريدون العودة» قد سلط الضوء على التباين بين الرغبة في مغادرة غزة والاستعداد للاستقرار خارجها، مستعرضاً نتائج استطلاعات رأي ودراسات تناولت مواقف الفلسطينيين من الهجرة.
لماذا أصبحت الهجرة خياراً مطروحاً؟
تشير البيانات المتاحة إلى أن العوامل الأمنية والاقتصادية تتصدر أسباب التفكير في مغادرة القطاع، في ظل الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية وتراجع النشاط الاقتصادي وفرص العمل.
فبحسب استطلاع أجرته جمعية «غالوب الدولية» في مارس 2025، اعتبر 79% من المشاركين الذين يرغبون في المغادرة أن البحث عن الأمان يمثل أحد دوافعهم الرئيسية، بينما أشار 76% إلى الرغبة في تأمين مستقبل أفضل لأسرهم.
وجاءت فرص العمل ضمن الأولويات بنسبة 74%، تلتها إمكانية الحصول على تعليم أفضل بنسبة 62%.
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية عند النظر إلى الوضع الاقتصادي في القطاع. فقد أظهرت بيانات منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن متوسط البطالة بلغ نحو 79.7% خلال العام الأول من الحرب، بالتزامن مع انكماش الناتج المحلي بنسبة 84.7%.
غير أن الأزمة الاقتصادية لم تبدأ مع الحرب الأخيرة. فقبل أكتوبر 2023، كان 31% من سكان غزة الذين شملهم استطلاع للباروميتر العربي يفكرون بالفعل في الهجرة، وكان البحث عن ظروف اقتصادية أفضل الدافع الأبرز لدى هؤلاء.
هل يريد الغزيون مغادرة القطاع نهائياً؟
رغم ارتفاع نسب التفكير في السفر، لا تقدم استطلاعات الرأي صورة واحدة عن مستقبل الهجرة من غزة، خصوصاً أن بعضها يميز بين المغادرة المؤقتة والدائمة، بينما يكتفي بعضها الآخر بالسؤال عن الاستعداد للرحيل.
وفي استطلاع «غالوب الدولية»، الذي شارك فيه 532 بالغاً من القطاع، قال 38% إنهم يفضلون المغادرة لفترة محدودة إذا توفرت الإمكانية، مقابل 14% أعربوا عن رغبتهم في الهجرة الدائمة.
كما فضّل 4% إرسال أفراد من أسرهم إلى الخارج، فيما اختار 39% البقاء في غزة.
وفي استطلاع آخر أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في مايو 2025، أبدى 43% من المشاركين استعداداً للهجرة بعد انتهاء الحرب، بينما رفض 56% هذا الخيار.
أما نتائج «الباروميتر العربي»، المستندة إلى مقابلات أُجريت في أكتوبر 2025 ونُشرت في يونيو 2026، فقد أظهرت أن 54% من المشاركين لا يرغبون في المغادرة مع أفراد أسرهم، حتى إذا أتيحت لهم الفرصة.
في المقابل، أبدى 33% استعدادهم للسفر برفقة عائلاتهم، و7% للمغادرة بمفردهم، بينما فضّل 6% سفر أفراد آخرين من أسرهم.
ويشير اختلاف النتائج إلى أهمية التمييز بين الرغبة في الهجرة باعتبارها حلاً دائماً، وبين البحث عن إقامة مؤقتة تتيح الحصول على الخدمات أو تجاوز الظروف الراهنة.
وفي مايو 2026، نشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» نتائج مسح أجرته جهة التنسيق التابعة للسلطات الإسرائيلية، أظهرت اهتمام نحو 80% من المشاركين بالحصول على معلومات تتعلق بالانتقال إلى دولة ثالثة. لكن طلب المعلومات لا يمكن اعتباره دليلاً على وجود قرار فعلي بالهجرة الدائمة.
الدراسة في الخارج.. فرصة تصطدم بالحدود
بالنسبة إلى بعض الشباب، لا ترتبط فكرة السفر بقرار الاستقرار النهائي خارج غزة، وإنما بفرص تعليمية يصعب الاستفادة منها في ظل القيود الحالية.
ومن بين هذه الحالات الطالبة الفلسطينية سلوى أبو الحاج، البالغة من العمر 23 عاماً، والتي حصلت على منحة لدراسة الماجستير في الاتصال بجامعة لوفين البلجيكية.
ورغم قبولها الجامعي، كانت سلوى لا تزال تقيم في خيمة بمخيم المغازي عندما تحدثت إلى موقع «EUobserver» في أغسطس 2026، منتظرة إمكانية مغادرة القطاع والالتحاق بدراستها.
وتندرج حالتها ضمن مجموعة تضم 13 طالباً حصلوا على فرص للدراسة في جامعات بلجيكية، لكنهم واجهوا عراقيل تتعلق بالخروج من غزة.
ولا تختلف تجربة الطبيب أحمد أبو جامع كثيراً من حيث التحديات، إذ حصل على منحة ماجستير في مدينة أنتويرب البلجيكية، ويرى في استكمال دراسته فرصة لتطوير خبراته الطبية والعودة للمساهمة في إعادة بناء القطاع الصحي.
وتبرز مثل هذه الحالات جانباً من الهجرة لا يرتبط بالضرورة بقطع الصلة مع غزة، بل باكتساب المعرفة والخبرة التي يمكن توظيفها مستقبلاً داخل القطاع.
أكثر من 100 ألف غادروا خلال الحرب
توضح بيانات نقلتها وكالة «رويترز» عن السلطة الفلسطينية في أكتوبر 2026 أن أكثر من 100 ألف شخص من سكان غزة الذين غادروا خلال الحرب لا يزالون خارج القطاع، في مقابل عودة نحو سبعة آلاف شخص فقط.
لكن هذه الأرقام لا تكشف بصورة مباشرة عن نيات المغادرين بشأن الاستقرار الدائم.
فالبقاء خارج غزة قد يرتبط باستمرار العلاج، أو استكمال الدراسة، أو غياب ظروف معيشية مناسبة للعودة، فضلاً عن الصعوبات المتعلقة بإجراءات التنقل وفتح المعابر.
ومن ثم، فإن عدد الموجودين في الخارج لا يعكس وحده حجم الرغبة في الهجرة النهائية، كما أن عدم مغادرة آخرين للقطاع لا يعني بالضرورة عدم رغبتهم في السفر.
إعادة الإعمار تتقدم على مطالب الهجرة
وسط النقاش المتواصل حول مستقبل السكان، لا تزال إعادة بناء غزة وتحسين الظروف المعيشية تحتلان موقعاً متقدماً في أولويات الفلسطينيين.
ففي استطلاع «الباروميتر العربي»، اختار 44% من المشاركين الدعم المالي لإعادة الإعمار باعتباره الدور الأهم الذي ينتظرونه من المجتمع الدولي.
في المقابل، رأى 12% أن الأولوية ينبغي أن تكون لتسهيل الخروج الآمن واللجوء إلى الدول الأوروبية، بينما اختار 6% تسهيل الانتقال إلى الدول العربية.
وتعكس هذه الأرقام اختلاف الاحتياجات بين فئات المجتمع، من العائلات التي ترغب في استعادة منازلها وأعمالها، إلى المرضى والطلبة والأشخاص الذين يسعون إلى الاجتماع بأقاربهم خارج القطاع.
ولا يبدو سؤال الهجرة من غزة مقتصراً على عدد الراغبين في المغادرة، بل يشمل أيضاً الظروف التي قد تجعل البقاء خياراً قابلاً للحياة، والضمانات التي تتيح لمن غادر العودة طوعاً.



