المقالات والسياسه والادب

أنا محدش ظلمني قد ما ظلمت نفسي يوم ما اخترت غلط ودفعت من عمري تمن اختيـار مكنش يستاهل

كتبت/د/شيماء صبحي

أنا محدش ظلمني قد ما ظلمت نفسي يوم ما اخترت غلط ودفعت من عمري تمن اختيـار مكنش يستاهل

في وجع بييجي من الناس، وفي وجع بييجي من الظروف، وفي وجع من قسوة الدنيا علينا.. بس أصعب وجع ممكن الإنسان يعيشه، هو الوجع اللي بييجي من اختياراته هو شخصيًا.

لما تكتشف إنك بإيدك فتحت الباب لحد كان المفروض يفضل برّه حياتك، وإنك بإرادتك اتمسكت بشخص كان كل اللي بيعمله إنه يكسرك حتة حتة، وإنك ضيعت سنين من عمرك بتحاول تحافظ على حاجة هي من الأساس مكنتش بتحافظ عليك.
ساعتها الوجع بيبقى مختلف!
لأنك مش بس زعلان من اللي حصل، إنت كمان زعلان من نفسك.. من طيبتك، من ثقتك، من صبرك، ومن كل مرة كنت بتشوف فيها الحقيقة وتغمض عينك عنها، مش عشان مش فاهم، لكن عشان كنت خايف تخسر اللي بتحبه.
وأهو خسرت اللي بتحبه.. وخسرت معاه حاجات كتير من نفسك.
عارف يعني إيه تصحى في يوم وتكتشف إن الشخص اللي كنت بتدافع عنه قدام الدنيا كلها، هو نفسه الشخص اللي كنت محتاج حد يحميك منه؟
يعني إيه تفتكر كل مرة حد حذرك وإنت كنت بتقول: لأ، إنتوا متعرفوهوش زي ما أنا أعرفه!
والأيام تعدي وتكتشف إنهم فعلًا مكنوش يعرفوه زيك.. بس كانوا شايفين اللي إنت رفضت تشوفه.
والأوجع إنك ساعات مكنتش محتاج حد يحذرك أصلًا، لأن قلبك كان حاسس، وعقلك كان بيقولك اهرب، وتصرفاته كانت بتصرخ في وشك بالحقيقة، لكنك كنت كل مرة بتدورله على عذر جديد.
مرة تقول ظروفه صعبة، ومرة تقول أصله مضغوط، ومرة تقول أكيد هيتغير، ومرة تقول محدش كامل.
لحد ما لقيت نفسك بقيت إنت اللي ناقصك كل حاجة.. ناقصك الأمان، وراحة البال، والضحكة اللي كانت بتطلع منك من غير تفكير.
والغريب إننا ساعات بنبقى أحنّ على اللي بيأذينا من نفسنا!
نسامحه على كدبه، ونبرر إهماله، ونعدّي إهانته، ونستحمل غيابه، ونفضل ندي فرص لحد ما يبقاش فاضل فينا حاجة نديها.
ولما نيجي عند نفسنا، نحاسبها بمنتهى القسوة!
إزاي كنت غبي كده؟
إزاي مصدقتش إحساسي؟
إزاي سمحت لحد يعمل فيا كل ده؟
إزاي ضيعت عمري في علاقة ملهاش آخر غير الوجع؟
بس الحقيقة إن مش كل اختيار غلط معناه إنك كنت غبي.
ساعات بتختار غلط لأنك كنت محتاج تتحب، وساعات لأنك كنت خايف من الوحدة، وساعات لأنك اتعلقت بصورة رسمتها لشخص في خيالك، وفضلت مستني الصورة دي تتحول لحقيقة.
وساعات بتكمل مش لأنك مبسوط، لكن لأنك مش قادر تستوعب إن كل اللي استثمرته من مشاعر ووقت وتضحيات ممكن يضيع.
فتفضل تدفع من عمرك أكتر، على أمل إن اللي فات يتعوض.
وده من أخطر الفخاخ النفسية اللي ممكن نقع فيها.. إننا نفضل متمسكين باختيار مؤلم لمجرد إننا دفعنا فيه كتير.
زي واحد خسر فلوسه في مشروع فاشل، وبدل ما ينقذ اللي باقي، يبيع آخر حاجة عنده عشان يقنع نفسه إن المشروع لسه فيه أمل.
بس العمر مش فلوس بتتعوض.. والعافية النفسية مش لعبة بنخسرها ونشتري غيرها.
في ناس بتخرج من العلاقات الغلط وهي مش شبه نفسها.
اللي كانت بتضحك بقت ساكتة، واللي كانت بتثق بقت تشك في كل كلمة، واللي كانت بتحب الحياة بقت بتخاف من بكرة.
وفي ناس بتفضل سنين تحاول ترجع الشخص اللي كانت عليه قبل ما تدخل العلاقة دي.
مش لأنها ضعيفة، لكن لأن الاستنزاف النفسي لما بيطول، بيسيب أثر مش سهل يروح.
وأصعب لحظة مش لحظة الفراق زي ما ناس كتير فاكرة.
أصعب لحظة لما تقعد لوحدك وتراجع شريط حياتك، وتفتكر كل فرصة حلوة ضاعت منك عشان كنت مشغول بإنقاذ علاقة، وكل مرة أهملت فيها صحتك عشان ترضي حد، وكل حلم أجلته، وكل قرار كنت نفسك تاخده وخفت.
وتسأل نفسك سؤال ملوش إجابة مريحة:
هو أنا كنت بعيش حياتي.. ولا كنت بضيّعها عشان حد تاني يعيش حياته على حسابي؟
والمؤلم أكتر إن الشخص اللي استنزفك ممكن يكمل حياته عادي جدًا.
يضحك، ويخرج، ويحب، وينام مرتاح، ويمكن كمان يحكي للناس إنه هو اللي اتظلم!
وإنت تفضل شايل آثار علاقة انتهت بالنسبة له، ولسه مكملة جواك.
مش معنى كده إن كل الناس اللي بنختارهم غلط ناس وحشة، ولا إن كل علاقة فشلت كان فيها طرف ظالم وطرف مظلوم.
أحيانًا بنختار ناس مش مناسبين لينا، وأحيانًا بنختلف في الاحتياجات والقيم، وأحيانًا إحنا نفسنا بنكون محتاجين نفهم نفسنا أكتر قبل ما نختار.
لكن في كل الأحوال، النتيجة واحدة لما نستمر في مكان بيستهلكنا.. بنفقد أجزاء من نفسنا وإحنا بنحاول نحافظ عليه.
والحقيقة اللي محدش بيحب يسمعها إن مش كل حاجة بنحبها ينفع نكمل معاها.
مش كل شخص بنشتاقله يستحق نرجعله، ومش كل حد بنخاف نخسره وجوده في حياتنا مكسب.
وفي فرق كبير بين إنك تحب حد، وبين إنك تضحي بنفسك عشان يفضل موجود.
الحب مش المفروض يخليك كل يوم تسأل نفسك إنت قليل ليه، ولا يخليك تستجدى اهتمام، ولا تتعود على الإهانة وتعتبر الاعتذار إنجاز.
والصبر مش معناه إنك تفضل واقف في نفس المكان مستني معجزة، والتسامح مش معناه إنك تسمح لنفس الأذى يتكرر بلا نهاية.
أحيانًا أكبر غلطة مش إننا اخترنا الشخص الغلط.. أكبر غلطة إننا بعد ما عرفنا الحقيقة، فضلنا نختاره كل يوم من جديد.
عارف إيه اللي بيوجع فعلًا؟
إنك بعد ما تكبر وتفهم، تكتشف إن فيه سنين من عمرك مش هترجع.
وإن فيه لحظات كان ممكن تعيشها مبسوط، لكنك قضيتها بتعيط.
وفيه ليالي كان ممكن تنام فيها مرتاح، لكنك قضيتها بتفكر: هو ليه اتغير؟ هو أنا قصرت في إيه؟ هو أنا مستاهلش أتحب؟
وفيه ناس حلوة عدّت من حياتك وإنت مشغول بحد مكنش شايفك أصلًا.
وفيه نسخة منك كانت بتحلم وتخطط وتضحك، واختفت وسط محاولاتك المستمرة إنك تكون كفاية لشخص عمره ما حسسك إنك كفاية.
لكن رغم كل ده، فيه حاجة لازم تفهمها..
إنت مسؤول عن إنك تتعلم من اختياراتك، لكن مش مطلوب منك تعيش باقي عمرك بتعاقب نفسك عليها.
لأن جلد الذات مش هيغير الماضي، والندم المستمر مش هيرجع السنين، وكراهية نفسك مش هتصلح اللي اتكسر.
اللي فات محتاج منك فهم، مش محاكمة مؤبدة.
اسأل نفسك: أنا ليه اخترت الشخص ده؟ ليه تجاهلت العلامات؟ ليه خفت أمشي؟ إيه الاحتياج اللي كان جوايا وخلاني أقبل بأقل من اللي أستحقه؟
مش عشان تدين نفسك، لكن عشان متكررش نفس الحكاية بوشوش مختلفة.
لأن فيه ناس بتخرج من علاقة مؤذية وتدخل بعدها في علاقة شبهها بالضبط، مش لأنها بتحب الوجع، لكن لأنها لسه متعلمتش تفرق بين الحب والتعلق، وبين الأمان والخوف من الفقد.
وفي النهاية..
يمكن أكتر جملة موجعة ممكن إنسان يقولها لنفسه مش «فلان ظلمني».
لكن:
«أنا كنت شايف نفسي بتتعب، وسكت.. كنت حاسس إني بتكسر، وكملت.. كنت عارف إن الطريق ده آخره وجع، وبرضه فضلت ماشي فيه على أمل إن النهاية تتغير».
بس أوعى تخلي الجملة دي تكون آخر حكايتك.
يمكن إنت مقدرتش تختار صح في البداية، لكن لسه تقدر تختار صح دلوقتي.
تختار نفسك، تختار راحتك، تختار كرامتك، وتختار إن اللي باقي من عمرك ميبقاش مجرد تعويض عن اللي فات.
مش لازم تنسى عشان تتعافى، ومش لازم تكره اللي أذاك عشان تبعد عنه، ومش لازم تثبت لحد إنه خسرك.
كفاية إنك تفهم إنك مش مضطر تخسر نفسك مرة تانية.
وأخيرًا..
أنا مش زعلانة بس على الناس اللي مشيت من حياتي، ولا على العلاقات اللي انتهت، ولا حتى على الأحلام اللي مطلعتش حقيقة.
أنا زعلانة على نفسي في الأيام اللي كنت محتاجة فيها حضن، واخترت أستنى حضن من الشخص اللي وجعني.
زعلانة على كل مرة بكيت فيها لوحدي، وعلى كل مرة قلت معلش وأنا من جوايا كنت بقول كفاية.
زعلانة على السنين اللي راحت وأنا بحاول أخلي ناس تحبني، بدل ما أتعلم أحب نفسي وأحافظ عليها.
بس خلاص..
اللي فات أخد من عمري كفاية، ومش هسمح للندم عليه ياخد اللي باقي.
لأن أحيانًا النجاة مش إن الشخص الغلط يخرج من حياتك وبس..

النجاة الحقيقية إنك إنت كمان تخرج من النسخة اللي كانت بتقبل الوجع وتسميه حب.

مقالات ذات صلة