المقالات والسياسه والادب

أُمْنِيَتِي

الكاتبة إيمان نجار

أُمْنِيَتِي
‏أُمْنِيَتِي أَنْ أَسْتَعِيرَ لِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ
‏قَلْبَ شَخْصٍ لَمْ يُخْذَلْ بَعْدُ.
‏لَا لِأُحِبَّ،
‏بَلْ لِأَعْرِفَ كَيْفَ يَبْدُو العَالَمُ
‏حِينَ لَا تَكُونُ الرِّيَابَةُ جُزْءًا مِنْ دَقَّاتِهِ،
‏وَلَا يَكُونُ الحَذَرُ عَادَةً تَسْبِقُ الخُطُوَاتِ.
‏أُرِيدُ يَوْمًا وَاحِدًا
‏لَا أُفَتِّشُ فِيهِ فِي الوُجُوهِ عَنْ نِيَّةٍ مُسْتَتِرَةٍ،
‏وَلَا فِي الضَّحِكَاتِ عَنْ شَقٍّ صَغِيرٍ
‏يُمَهِّدُ لِطَعْنَةٍ قَادِمَةٍ.
‏أَتَمَنَّى أَنْ أَفْقِدَ مِنْ ذَاكِرَتِي
‏تِلْكَ الأَشْيَاءَ الَّتِي لَمْ تَعُدْ تَحْدُثُ،
‏وَلَكِنَّهَا مَا زَالَتْ تَحْدُثُ فِيَّ.
‏أَنْ يَخْرُجَ مِنْ رَأْسِي ذَلِكَ الصَّوْتُ
‏الَّذِي يَعْرِفُ مَوْعِدَ انْكِسَارِي،
‏فَيُعِيدُ المَشَاهِدَ القَدِيمَةَ
‏كَمَنْ يَنْبُشُ رَمَادًا لِيَتَأَكَّدَ أَنَّ النَّارَ مَا زَالَتْ تَحْتَهُ.
‏أَتَمَنَّى لَوْ كَانَ لِلذَّاكِرَةِ مِقْبَضٌ،
‏أَجُرُّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً،
‏فَتَسْقُطُ مِنِّي الوُجُوهُ،
‏وَرَائِحُ الأَمْكِنَةِ،
‏وَخُطًى مَا زَالَتْ تَمْشِي فِي دَاخِلِي
‏رَغْمَ أَنَّ أَصْحَابَهَا لَمْ يَعُودُوا.
‏أُرِيدُ لَيْلًا لَا يَعْرِفُنِي،
‏لَا يَفْتَحُ أَدْرَاجَ رُوحِي،
‏وَلَا يُقَلِّبُ فِي عَتْمَتِي
‏أَشْيَاءَ دَفَنْتُهَا بِيَدَيَّ
‏ثُمَّ قَضَيْتُ عُمْرِي أَحْرُسُ قُبُورَهَا.
‏أُرِيدُ صَبَاحًا بِلَا أَثَرٍ لِأَمْسٍ،
‏وَقَلْبًا لَا يَحْمِلُ فِي جَيْبِهِ
‏مِفْتَاحًا لِبَابٍ أُغْلِقَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
‏تَعِبْتُ مِنْ كَوْنِي مَكَانًا
‏تُقِيمُ فِيهِ الأَشْيَاءُ بَعْدَ رَحِيلِهَا.
‏تَعِبْتُ مِنْ تَرْمِيمِ نَافِذَةٍ
‏لَا يَدْخُلُ مِنْهَا إِلَّا الرِّيحُ،
‏وَمِنْ إِطْفَاءِ حَرَائِقَ كُلَّمَا خَمَدَتْ
‏اكتَشَفْتُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ الجِلْدِ.
‏وَمَعَ ذَلِكَ،
‏لَمْ تَعُدْ أُمْنِيَتِي أَنْ أَكُونَ سَعِيدًا،
‏وَلَا أَنْ أَنْسَى،
‏وَلَا حَتَّى أَنْ أَشْفَى.
‏أُمْنِيَتِي أَبْسَطُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ…
‏أَنْ أَسْتَيْقِظَ يَوْمًا
‏وَأَجِدَ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ يُؤْلِمُنِي
‏قَدْ فَقَدَ قُدْرَتَهُ عَلَى الوُصُولِ إِلَيَّ.
‏أَنْ أَمُرَّ بِالأَمْكِنَةِ الَّتِي كَسَرَتْنِي
‏فَلَا يَرْتَجِفُ فِي دَاخِلِي شَيْءٌ.
‏أَنْ أَرَى الوُجُوهَ الَّتِي أَوْجَعَتْنِي
‏فَلَا أَتَذَكَّرَ لِمَاذَا كُنْتُ أُحِبُّهَا.
‏أَنْ أَسْمَعَ اسْمِي
‏فَلَا يَخْرُجَ مِنْهُ أَحَدٌ.
‏وَرُبَّمَا كَانَتْ أَغْرَبُ أُمْنِيَاتِي
‏أَنْ أَسْتَعِيدَ نَفْسِي…
‏لَا كَمَا كُنْتُ،
‏بَلْ كَشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ يَدٌ فِي صُنْعِهِ.
‏وَحِينَ أَصِلُ إِلَيْهَا،
‏لَنْ أُرِيدَ ذَاكِرَةً،
‏وَلَا مَاضِيًا،
‏وَلَا حَتَّى اسْمًا.
‏سَأَكْتَفِي بِأَنْ أَمْشِي فِي العَالَمِ
‏كَنُقْطَةٍ سَوْدَاءَ سَقَطَتْ مِنْ حِبْرٍ قَدِيمٍ…
‏لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَنْ كَتَبَهَا،
‏وَلَا مَا الَّذِي كَانَ يُرَادُ كِتَابَتُهُ.
‏

مقالات ذات صلة