إستنزاف بقلم الأستاذ: محمد بايزيد

إستنزاف
بقلم الأستاذ: محمد بايزيد
كان هناك دائمًا… شخصٌ لا يُؤجَّل.
حين تضيق الأمور، يُستدعى دون تردّد،
ويُفتح له الباب قبل السؤال.
يداه ممدودتان،
يعطي أكثر مما ينبغي،
ويتعب… ثم يُخفي تعبه كما لو أنه لا يعنيه.
يكتفي بأن يرى الوجوه هادئة،
وكأن ذلك يكفي ليُسكت ما بداخله.
بمرور الوقت،
ظنّ من حوله أن حضوره أمرٌ عادي،
شيءٌ لا يحتاج إلى شكر… ولا إلى انتباه.
لم يلتفت أحد إلى أن ذلك العطاء
كان يقتطع منه شيئًا في كل مرة.
لم يحدث شيءٌ صاخب،
لا سقوط مفاجئ،
فقط برودة خفيفة بدأت تتسرّب.
صوتٌ يقل،
وآخر يختفي،
وكلماتٌ كانت قريبة… أصبحت بعيدة.
حتى جاء يوم،
صار فيه الصمت هو الأكثر حضورًا.
المفارقة لم تكن في هذا كله،
بل في ما تلاه.
عندما خفّ العطاء،
وعندما حلّ الصمت مكان الكلام،
تبدّلت الصورة.
ذلك الذي كان مألوفًا…
أصبح ثقيلًا،
وذاك الذي كان قريبًا…
صار غريبًا.
أما الآخرون،
فبقوا كما يحبّون أن يروا أنفسهم:
بلا نقص،
بلا خطأ،
بلا مسؤولية.
وكأن الحكاية احتاجت فقط…
إلى شخصٍ واحدٍ يتحمّل كل شيء،
حتى تبدو البقية بخير.
في بعض الحكايات…
لا يُنسى الغياب،
لكن يُنسى كل ما سبقه،
ويكفي أن يتوقّف العطاء مرة واحدة…
حتى يُعاد تعريف كل شيء.


