المقالات والسياسه والادب

إن لم تستطع قراءتي جيدًا فلا تحاول تأليفي

بقلم: مستشار محمود السنكري
إن لم تستطع قراءتي جيدًا فلا تحاول تأليفي
ليس كلُّ من عجز عن فهمك يملك الحقَّ في تفسيرك وليس كلُّ من أساء قراءة ملامحك يحقُّ له أن يكتب عنك روايةً من خياله ثم يُصدِّرها للناس وكأنها الحقيقة المطلقة.
إن لم تستطع قراءتي جيدًا فلا تحاول تأليفي فأنا لست روايةً ناقصةً تُكملها بأهوائك ولا صفحةً بيضاء تكتب عليها ما يعجز عقلك عن فهمه.
هناك أشخاص لا يُرهقون أنفسهم في معرفة حقيقتك بل يختصرون الطريق فيصنعون لك شخصيةً تناسب تصوراتهم ويُلبسونك ثوبًا لم ترتده يومًا ثم يحاكمونك بتهمةٍ كتبوها بأيديهم ويُصدرون بحقك أحكامًا لم تستند إلى دليل سوى ظنونهم المريضة وتأويلاتهم المشوَّهة.
والأكثر إثارةً للسخرية أن بعضهم يتحدث عنك بثقة العارف وهو لا يعرف منك إلا ما اخترعته مخيلته!
يتناولون نواياك بالتشريح ومواقفك بالتأويل وصمتك بالاتهام وابتعادك بالتكبر وكرامتك بالغرور وكأنهم أوصياء على حقيقتك أو أصحاب حقٍّ حصري في تحديد من تكون.
يا هؤلاء أنتم لا تعرفونني بالقدر الذي يسمح لكم بالحكم عليَّ ولا تملكون من حقيقتي ما يمنحكم حقَّ إعادة صياغتي وفق أهوائكم.
أنا وحدي أعرف كم معركةً خضتُها في صمت وكم خيبةً تجاوزتُها دون ضجيج وكم مرةٍ ابتلعتُ الكلام حفاظًا على مقامي وكم موقفًا كان بإمكاني أن أكشف فيه وجوهًا كثيرة لكنني اخترتُ الصمت لأن بعض الحقائق لا تحتاج إلى إعلان وبعض الأشخاص لا يستحقون حتى عناء المواجهة.
لا تخلطوا بين هدوئي وضعفي ولا بين تسامحي وعجزي ولا بين صبري وقبولي بالإهانة.
فثمة فرقٌ شاسع بين إنسانٍ لا يستطيع الرد وإنسانٍ يستطيع أن يردَّ بقسوة لكنه يترفع عن مستنقعٍ لا يليق به.
وإياكم أن تظنوا أن عدم تصحيح كلِّ ما تقولونه عني اعترافٌ بصحته فأنا لا أُدير حياتي وفق ألسنتكم ولا أُبدِّد عمري في ملاحقة كلِّ كذبة ولا أضع نفسي في قفص الاتهام لأُثبت براءتي أمام عقولٍ اتخذت من سوء الظن منهجًا ومن التشويه هوايةً ومن اغتيال السمعة وسيلةً للشعور بالأهمية.
أنا لست مسؤولًا عن الصورة التي رسمتموها لي في عقولكم لكنكم مسؤولون عن الأكاذيب التي تنطقون بها باسمي.
ومن أراد أن يعرفني فليقرأ مواقفي قبل أن يفسر كلماتي وليفهم صمتي قبل أن يتهمني وليعرف مبدئي قبل أن يحكم على تصرفاتي.
أما من قرر أن يسيء فهمي عمدًا فلن تُقنعه ألف حقيقة لأنه لا يبحث عن الحقيقة أصلًا بل يبحث عن روايةٍ تُرضي حقده وتُبرر موقفه وتمنحه فرصةً ليبدو منتصرًا في معركةٍ لم أخُضها معه من الأساس.
ولستُ مضطرًا إلى أن أكون كما تتمنون ولا إلى أن أُعيد تشكيل شخصيتي لتناسب مقاساتكم الضيقة.
فمن اعتاد ارتداء الأقنعة قد يظن أن كلَّ وجهٍ صادقٍ يخفي قناعًا ومن اعتاد التلون قد يرى الثبات غرورًا ومن اعتاد بيع المواقف لن يفهم أبدًا كيف يتمسك إنسانٌ بمبدئه ولو خسر الجميع.
فلا تحاولوا تأليفي على مقاس خيباتكم ولا تُحمِّلوني عيوبًا تحاولون الهرب منها ولا تجعلوا من عجزكم عن فهمي مبررًا لتشويهي.
اكتبوا عني ما شئتم لكن تذكَّروا أن الحبر لا يصنع حقيقة وأن تكرار الكذبة لا يحولها إلى يقين وأن ضجيج الأصوات لا يمنح أصحابها قيمةً أكبر مما يستحقون.
قد تنجحون في تشويه صورتي لدى من لا يعرفني وقد تخدعون بعض العابرين برواياتكم لكنكم لن تملكوا حقيقتي مهما امتلكتم من الكلمات ولن تُغيِّروا مبدئي مهما بالغتم في التأويل.
فأنا لا أخشى أن يُساء فهمي بقدر ما أرفض أن أتنازل عن نفسي كي يفهمني الآخرون على هواهم.
الخلاصة التي يجب أن يفهمها الجميع..
إن لم تستطع قراءتي جيدًا فلا تحاول تأليفي وإن عجزت عن فهم صمتي فلا تمنحه تفسيرًا من عندك وإن لم تعرف حقيقة مواقفي فلا تتحدث بلسان العارفين.
فأنا لستُ الحكاية التي تكتبها أهواؤكم ولا الشخصية التي تصنعها ظنونكم ولا المرآة التي تُخفون خلفها عيوبكم.
أنا كما أنا بحقيقتي التي لا تحتاج إلى تزكية من أحد وبمواقفي التي تشهد لي أو عليَّ وبكرامتي التي لا أساوم عليها.
أما أنتم فاحتفظوا برواياتكم لأنفسكم فليس كلُّ ما تعجزون عن فهمه لغزًا وليس كلُّ من يختلف عنكم مخطئًا وليس من حقكم أن تُعيدوا كتابة الآخرين لمجرد أنكم لم تُحسنوا قراءتهم.

فبعض الناس لا يسيئون فهمك لأنك غامض بل لأن حقيقتك لا تتوافق مع الرواية التي يريدون تصديقها.

وهنا ينتهي الكلام…

قد تكون صورة ‏نص‏

مقالات ذات صلة