المقالات والسياسه والادب

ازاد قصة قصيرة بقلم نور شاكر

اسمي ازاد، أبلغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً.
أعيش وحيدة في منزل قديم، صغير، تتسلّل إليه الشمس بخجل من نوافذه المتعبة، وتتشبّث جدرانه برائحة الذكريات، كأنها تأبى أن تُمحى. هو المنزل الوحيد الذي ورثته بعد وفاة والديّ.
أقيم فيه بصمتٍ، تملأه أنفاسي وأحاديثي مع نفسي، وتؤنس وحدتي فيه صورٌ معلّقة على الجدران، وذكرياتٌ من أطراف الزمن.
منذ سنوات، عالمي يدور حول والدي. رجل مسن، أنهكه المرض كما تنهك الريح شمعة وحيدة في ليلة عاصفة. كنتُ أنا الراعية الوحيدة له، ومَن ظلت بجواره حين تركه الجميع. لم أفكر يومًا في نفسي، ولا في زواجي، ولا في رغباتي المؤجلة. كان كل همّي أن أظل وفيّة له، ملازمة لفراشه، حارسة لأنفاسه حتى الرمق الأخير.
كان يقول لي، وهو يستشعر قرب رحيله:
“يا ابنتي، عيشي حياتك. لا تجعلي مرضي قيدًا يكبّلك. الرحيل قادم لا محالة.”
لكن قلبي لم يكن يطاوعني على تركه، وكيف أترك مَن أفنى شبابه في تربيتي؟
كيف أشيح وجهي عن رجلٍ كانت يده المرتجفة تمسح دمعي حين كنت صغيرة؟
كنت أراه يذبل، وأذبل معه.
مات والدي… وماتت فيّ ضحكتي.
تركني خلفه كظلٍّ بلا جسد، أتلمّس روحه في الزوايا، وفي رائحة ثيابه، وفي صدى أنفاسه التي لا تزال عالقة بالهواء.
أمجد وسمير، إخوتي، مضوا كلٌّ في دربه، في بلادٍ بعيدة، مع زوجاتهم وأطفالهم.
نُسيت كما نُسيَت زهرة في صقيع الشتاء.
لم يسأل أحدهم: كيف تعيش ازاد؟
من يؤنسها؟
كنتُ الأخت الوحيدة، لكنني لم أكن لهم شيئًا يُذكر بعد الرحيل.
**
مرت الأشهر، وأنا أعمل في وظيفة بسيطة، أعود منها إلى منزلي بصمتٍ، أحتضن وحدتي كأنها صديقة وفية.
حتى وصلني الخبر الذي شقّ قلبي، خبرٌ لم أتوقّعه:
خالد، أخي الأصغر، مات.
كأن الحياة تسقطني من علوّها إلى قاعٍ لا قرار له.
لم نكن قريبين كثيرًا، لكنّه دمي.
أبكاني رحيله، كأن الدنيا تقسو أكثر مما يجب.
**
بعد شهرين من وفاته، وبينما كنت أجلس على الأريكة التي تهدّمت إحدى أرجلها، أرتشف شاياً بارداً، سمعتُ طرقاً على الباب.
لم أكن أنتظر أحدًا.
ظننتها إحدى الجارات اللواتي يتناوبن على كسر وحدتي ببعض الأحاديث العابرة.
فتحت الباب… فرأيت أمجد، أخي الذي لم يزرني منذ أعوام، ومعه زوجته وطفل صغير يبدو في الثانية من عمره، يخطو بخجل، كغصن يافع في مهب الريح.
استقبلتهم بترحابٍ وفرحٍ مُفاجئ، قلبي كان يضجّ بالحكايات التي لم تُروَ.
جلسنا وتبادلنا أحاديث شحيحة، ثم قال:
“أزاد… تعلمين أن خالد قد توفي.”
قلتُ، وقلبي ما زال يئنّ من ذكرى الخبر:
“نعم، رحمه الله.”
فأطرق قليلاً، ثم تابع بصوتٍ يحمل انكساراً نادراً ما عرفته فيه:
“بعد وفاته… عرفنا أن زوجته تركت ابنها. لم تكن مستعدّة لتربيته. لا أعلم كيف لأمّ أن تفعل هذا.”
شهقت… وكأن أحدهم صفَع قلبي.
نظرت إلى الطفل، هذا الكائن الصغير، الذي كانت عيناه تبحثان عن حضن، عن دفء، عن اسم يناديه بـ”يا ابني”…
قلتُ، وأنا بالكاد أتماسك:
“أتقصد… أن هذا الطير الصغير… ابن خالد؟”
قال أمجد:
“نعم.”
اقتربت من الطفل، واحتضنته.
كان جسده دافئًا كأنفاس الحياة التي هجرتني منذ زمن.
شيء ما في داخلي تغيّر في تلك اللحظة، كأن قلبي نبتت فيه زهرة بعد خريفٍ طويل.
ومنذ ذلك اليوم… أصبح حازم عالمي الجديد لم أعد وحدي…
الله الذي رأى وجعي، منحني هدية من نور.
طفل يتيم، فقد أباه، ونُبذ من أمّه، لكنه صار ابني.
لم ألده، لكني أحببته كما لو كنت أنجبته من عمري، من نبضي، من خوفي عليه.
سخّرت كل قوتي لأكون له الأم، والأب، والحضن، والوطن.
عملت بكل جهد لأؤمّن له حياة كريمة
كنت أرفض أن أشعره بالنقص، أو أن يسمع من أحدٍ أنه “ابن عمته”.
كان ابني، وأنا أمه
وهكذا بدأت الحياة تأخذ شكلاً مختلفاً لم يعد المنزل الرمادي وحيدًا.
صارت خطواته الصغيرة تملؤه ضجيجًا جميلاً.
ضحكته أضاءت العتمة التي كانت تسكن الجدران.
كبر حازم، وكبرت في قلبي سعادتي به.
في كل صباح كنت أعدّ له حقيبته المدرسية، أقبّل جبينه وأدعو له، كأنني أزرع الدعاء على جبينه ليحفظه الله من العالم القاسي.
كنت أعمل نهارًا وأُدَرِّس له مساءً، وأحكي له الحكايات قبل النوم.
صار يملأ فراغي، كما ملأتُ له قلبه حبًا وأمانًا.
اسمي حازم، صار عمر سبع سنين
“أمي ازاد” هي ليست فقط من ربتني، بل هي كل ما أعرفه من الدنيا.
توقظني في الصباح، تعدّ لي الإفطار، تضع لي طعامي في حقيبة المدرسة، وتنتظرني بعد الظهر وهي تبتسم كأنها تنتظر عالماً كاملاً في قدومي أحبها كثيرًا… هي نوري، وضحكتي، وصديقتي التي لا تملّ من أسئلتي.
حتى عندما أخطئ، لا تعنّفني، بل تشرح لي بهدوء، وتقبل رأسي وتقول: “أنتَ طبيبي… وسأجعلك طبيبًا يفتخر به”
في الأسبوع الماضي، نجحتُ في امتحاناتي، وطلبتُ منها هدية: طيور صغيرة، لأنني أعشقها
أحبّ كيف تغرّد، وكيف تتحرّك بخفّة، كأنها لا تعرف الحزن أحضرتها لي فورًا، وأنا طِرتُ فرحًا بها.
صرت أستيقظ باكرًا لأطعمها، أسقيها الماء، وأرتّب قفصها.
كنت أحبّها لأنها تشبه أمي… الطيور لا تملك شيئًا لتقدّمه، لكنها تبهجني وأنا… لا أملك شيئًا لأقدّمه لأمي ازاد، لكنني أحبّها، وأدعو لها كل ليلة.
**
أصبحت الطيور الصغيرة عالمًا ورديًا يملأ وحدتي حين أكون وحدي، كما أنني عالم وردي لأمي التي احتضنتني كأنني هدية أرسلها الله لها بعد تعبها الطويل لم تكن تريد مني مالًا، ولا شكرًا، فقط أن أكون سعيدًا.
** كانت ازاد، رغم كل ما مرّت به من فقدان وخذلان، تحمل في قلبها من الحب ما يكفي لأن تنبت وردةً في صحراء.
عاشت محرومة من اهتمام إخوتها، لكن الله أنصفها، وعوّضها بطفلٍ أعاد لها الحياة، ووشم على قلبها ابتسامة جديدة.
لم يكن المال يهمّها، كما كان يشغل إخوتها الذين ظنّوا أن الحياة تُقاس برصيدٍ في البنك.
ازاد أدركت الحقيقة: أن الثروة الحقيقية هي السعادة التي تولد من العطاء.
تمامًا كما فعل حازم، الذي لم يمنح طيوره سوى الحب والرعاية، فبادلته بالسعادة. وكما فعلت ازاد، التي لم تمنح حازم سوى قلبها، فبادلها بالحياة.
فالسعادة ليست مالًا… السعادة هي أن تهب روحك لمن يستحق،
فتعود إليك مزهرة، ضاحكة، حيّة…

مقالات ذات صلة