المقالات والسياسه والادب

اغفر صغائر الهفوات حتى تتمتع بكبريات الفضائل..بقلم المستشار: محمود السنكري

مستشار: محمود السنكري

قال جبران خليل جبران: “الرجل الذي لا يغفر للمرأة هفواتها الصغيرة لن يتمتع بفضائلها الكبيرة”، هذه الكلمات القليلة تختصر فلسفةً إنسانيةً عميقة تحاكي العلاقات البشرية بلغة القلب والعقل معًا وتفتح بابًا لفهم أوسع لطبيعة التفاعل بين الناس سواءً في الحب أو الصداقة أو العمل أو حتى العلاقات الأسرية.

إن الإنسان بطبعه ليس معصومًا من الخطأ ومن يطلب الكمال في غيره لن يعرف أبدًا طعم الراحة ولن يهنأ بعلاقة متينة تُبنى على التسامح والتقبل، فالهفوات الصغيرة تلك الكلمات العفوية أو التصرفات التي لا نقصد بها أذى إن تم تضخيمها صارت كغبار يغطي زجاج النوافذ يمنعنا من رؤية جمال الروح خلفها.

الغفران لا يعني التغاضي عن الظلم أو السكوت عن الإهانة بل هو اختيار نابع من القوة لا من الضعف، هو وعي عميق بأن البشر يُخطئون كما يُحبّون، وأن من يرحم يُرحم ومن يصفح يُصافح أنبل المشاعر.

حين تتأمل فيمن تحب ستدرك أن فضائلهم العظيمة مثل الوفاء والتضحية والصدق والحكمة والدفء العاطفي لا يمكن أن تُستشعر ما لم تُهيئ لها بيئة خصبة تنمو فيها وهذه البيئة لا تكون إلا بالتغاضي عن صغائر الأمور وتجاوز العثرات العابرة.

كثير من العلاقات تنكسر لا لخطأ جسيم بل لتراكم صغيرات لم تجد صدرًا رحبًا يغفرها أو قلبًا حكيمًا يبتلعها ويمضي ، وفي المقابل كثير من العلاقات تزدهر لأن أحد الطرفين قرر أن يحتمل، أن يتفهم، أن يضع المشاعر في ميزانها الصحيح.

وفي تجاربنا اليومية نكتشف أن من يغفر هو من ينمو لأن الغفران لا يحرر الآخر فقط بل يحررنا نحن من عبء الغضب والتذمر والضيق هو هدية نقدمها لأنفسنا أولا قبل أن نقدمها لغيرنا.

والأعجب أن من يخطئ إذا وجد غفرانًا رفيقًا غالبًا ما يتحول إلى إنسانٍ أفضل أكثر نضجًا وامتنانًا، وكأن المغفرة نفسها تُعيد ترميم الأرواح وتُلهمها أن تُقابل الإحسان بإحسان مضاعف.

إنّ ثقافة الغفران ليست ترفا أخلاقيا بل هي ضرورة نفسية واجتماعية وروحية ، المجتمعات التي تعلمت التسامح عرفت السلام والأرواح التي اعتادت أن تصفح ارتاحت من جحيم الحقد وثقل الضغائن.

في العلاقات العاطفية، من السذاجة أن نتصور شريكًا بلا عيوب كما أنه من الظلم أن نضع المحبة تحت عدسة الفحص اليومي، نعدّ الزلات ونهمل اللحظات التي وقف فيها إلى جوارنا أو أسندنا بكلمة أو واسانا بنظرة.
وفي المنظور الديني، فإن الله سبحانه وتعالى وهو الأعلم بضعفنا يفتح باب المغفرة على مصراعيه ويحبّ العفو ويجازي عليه ، فكيف لا نحبّه نحن؟ ألم يقل جلّ في علاه: “فمن عفا وأصلح فأجره على الله”؟
إنّ الغفران ليس فقط وسيلة للحفاظ على العلاقات بل هو من أسمى القيم التي تُكسبنا رضا الله وطمأنينة النفس ورفعة المقام.

وختامًا، لا تكن من أولئك الذين ينسفون جسور المودة بسبب هفوة ثم يقفون على الضفة الأخرى نادمين، يتمنون لو عاد الزمن لحظة ليلتقطوا مشهدًا لم يكن يستحق كل هذا الجفاء.
فليكن شعارنا إذًا: لا توقف نفسك عند زلة عابرة ولا تُضيّع قلبًا نقيًا من أجل كلمة خرجت بغير قصد، تمتع بفضائل من تحب وامنحهم مساحة للخطأ لأنهم كما يُخطئون فإنهم أيضًا قادرون على أن يكونوا مصدر نورٍ وبهجةٍ وسكينةٍ لك.
اغفر.. ليس لأن الآخر يستحق بل لأن قلبك يستحق أن يحيا خفيفًا، صافيًا، متصالحًا مع ذاته ومع من حوله.
فأنت لا تخسر حين تغفر بل تربح إنسانيتك وربما تربح إنسانًا لم تعرف قيمته إلا بعد أن كاد يفلت من يديك.
وإن كنا لا نغفر فكيف نتوقع أن يُغفر لنا؟

مقالات ذات صلة