المقالات والسياسه والادب
الإيجار القديم حين تُسحق الملايين تحت عجلة الزيادة الظالمة

بقلم: د. جمال أبو المعاطي صالح
استشاري الباطنة والقلب والسكر
في زحمة القرارات الاقتصادية، وبين دعوات “تحقيق العدالة” في ملف الإيجارات، فُتح ملف “الإيجار القديم” مجددًا، ولكن هذه المرة لم يكن الصوت لصالح المظلوم… بل على حسابه!
قانون الإيجار القديم، ورغم تعقيداته، كان طوق نجاة لملايين الأسر المصرية التي لا تملك شقة بديلة، ولا ترف الترحال كلما صرخ السوق.
ورغم أن القانون لم يُعدّل لعقود، إلا أن الحل لا يمكن أن يكون بالصدمة… ولا بالظلم المقنن.
أرقام لا تُصدّق… لكنها واقع حيّ
المستأجر الذي يدفع 20 أو 30 جنيهًا منذ التسعينات ليس تاجرًا ولا متلاعبًا… بل هو غالبًا:
موظف أو معلم أو طبيب حكومي،
أو أرملة تعيش على معاش لا يتجاوز ألف جنيه،
أو شاب في بداية حياته لا يجد مأوى إلا في شقة والده أو جده المستأجرة قديمًا.
هل من الإنصاف أن يُطلب من هؤلاء فجأة دفع 500 أو 1000 جنيه، أو مغادرة مساكنهم بلا بديل؟
هل أصبح السكن رفاهية تُنتزع لا حقًا يُحمى؟
المالك مظلوم أيضًا… ولكن!
نعم، بعض الملاك يُعانون من تدني العائد، وبعضهم لا يحصل سوى على بضع جنيهات لا تساوي حتى “ثمن زجاجة مياه غازية”، ولكن:
أين كانت الدولة طوال عقود من ترك هؤلاء دون تعويض؟
لماذا لم تُقدّم حلولًا متدرجة تحفظ حق المالك دون طرد المستأجر؟
من يتحمل نتيجة عقود سابقة تم توقيعها برعاية الدولة نفسها؟
المستأجر ليس لصًا… بل شريك حياة لهذا الوطن
حين يسكن مواطن في شقة إيجار قديم، فهو لم يسرقها، ولم يحتلها، بل دخل بعقد قانوني رسمي، وبعلم الدولة ومباركتها.
فلماذا يُعامل الآن كـ”معتدٍ” على حقوق الغير؟
أليس من الأجدى أن تتم المعالجة بإنصاف وليس بعقاب جماعي؟
الحل ليس بالطرد… بل بالتدرج والبدائل
نحن بحاجة إلى:
1. فترة انتقالية واقعية لا تقل عن 5–10 سنوات.
2. رفع تدريجي للإيجار بنسبة معقولة تراعي دخل المستأجر، لا طمع السوق.
3. إنشاء صندوق لدعم السكن البديل للفئات الأشد فقرًا.
4. إتاحة شراء الشقة بسعر رمزي بعد فترة من السكن، أسوة بما تم في قضايا التمليك الشعبية.
ختامًا… لا تظلموا من لا صوت لهم
الإصلاح الحقيقي لا يكون بهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها.
بل ببناء عدالة شاملة تحفظ كرامة الإنسان… قبل العقار.
فلا تجعلوا من قانون الإيجار القديم ذريعة لتشريد الملايين.
ولا تحوّلوا مأساة بعض الملاك إلى مأساة وطن بأكمله



