التقاء الحضارتين المصرية والفرنسية فى قلب القاهرة و الآثار المصرية شغف لا ينتهى للفرنسيين

كتب وجدي نعمان
التقاء الحضارتين المصرية والفرنسية فى قلب القاهرة و الآثار المصرية شغف لا ينتهى للفرنسيين
في مكان يعج بعبق التاريخ ورائحة البخور والمسك خطت قدما الرئيسان عبد الفتاح السيسي ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أزقة منطقة خان الخليلي بحى الجمالية، لحظة تخلى فيها السياسون عن أفكارهم وتسللت لهم لحظات متعة إنسانية حقيقة وسط العامة من الشعب المصرى.
لحظات إنسانية تحمل رسائل عن السلام والأمان والراحة وجدت طريقها إلى قلب الباعة وأصحاب المحلات التجارية وأصحاب الحرف اليدوية والزوار من أهل المنطقة والسائحين، للإعتزاز بالهوية المصرية
فى حضرة التاريخ
منطقة خان الخليلي والحسين ليس مجرد منطقة لها رمزية دينية أو سوق أثري. بل هى متحف مفتوح وسجل لحكايات مصرية عبر العصور، منطقة فيها شوارع وأزقة تداخلت فيها أصوات المآذن مع صدى المطارق النحاسية، وألوان الزجاج المعشق المصنوع منها فوانيس المساجد التي تزخم بروائح البخور وأروع العطور الشرقية. في طرقات على جانبيها محلات وحوانيت مبانيها من الأحجار القديمة يعلوها بيوت قديمة عمرها تعدى الـ 600 عام .
حدث في الساعة التاسعة مساءً
فكرة رائعة خارج الصندوق أن يتخلى أثنان من أكبر رؤساء العالم عن الحرص الشخصى لهم إلا القليل منهم؛ ويتجولا في أحد الأسواق الفاطمية التاريخية المصرية؛ في تمام الساعة التاسعة كان الجميع في انتظارهم وسط حفاوة شعبية لا نظير لها.
بطريقة بسيطة ولهجة دافئة شرح الرئيس عبد الفتاح السيسي معالم المكان وتاريخه، ولما لا فإنه ابن منطقة الجمالية العتيقة تربي وسط شوارع وأزقة حى الحسين، واكتسب صفاته من أهلها،كما تبادل الرئيسان الحديث بلغة يسودها الود بعيدة عن البروتوكول، وظهرت علامات الاعجاب الشديد علي “ماكرون” الذى لم يخفى إنبهاره وحبه للمكان وشعوره بالدفء حين حمل طفلة صغيرة مداعبًا إيها.
عشاء على شرف نجيب محفوظ
في أجواء يملؤها كرم المصرين وضيافة أهل الجمالية وخاصة خان الخليلى تناولا الرئيسان العشاء في مطعم نجيب محفوظ هذا المبنى الأثرى ببابه الخشبى ذات الحفر البارز فتحه لهما المسؤل عن أمن المطعم وقاما الرئيسان بالسلام عليه باليد كما قال أشرف عطية، مدير المطعم، حيث دخلا إلى بهو المطعم وكانت مفاجئة لعائلاتان كانتا يتناولات طعامهما، وقام الرئيسان بالتحية لهما، ثم ألقيا نظرة على صور المشاهير القديمة المعلقة على جدران المكان وخاصة صور الكاتب الكبير الراحل نجيب محفوظ.
صور نجيب محفوط على جدران المقهى
شوربة عدس وأرز بالخلطة وبسبوسة
وتابع؛ بعد أن استقلا الرئيسان منضدة الطعام وعليها ما ألذ وطاب من الأطعمة المصرية وعلى رأسها شوربة العدس بلونه الكهرمانى، والأزر المصرى بطعمه اللذيذ وكان على طريقة الأرز بالخلطة” والمكسرات مع مجموعة مختلفة من اللحوم المشوية، أما الحلويات فكانت مصرية شرقية “بسبوبة وجلاش وغيرها. وظلا ما يقرب من ساعة ونص يتبادلان الحديث. وكما وصفها مدير المطعم كانت الأجواء متواضعة ودافئة توحى بالأمن والأمان.
المكان الذى تناولا فيه العشاء
الشاي على أنغام أم كلثوم
بعد أن خرجا الرئيسان من المطعم توجها إلى أقدم مقهي في خان الخليلى وهو أم كلثوم ليتناولا مشروب الشاي بعد العشاء، وكما قال مجدى سعد صاحب مقهى أم كلثوم بخان الخليلى، تناول شاى أخضر وآخر الأحمر المعتاد جالسين على كرسيين من خسب الأرابيسك ومزينين بالخذف، وتماثيل أم كلثوم تحيط بهما، وشدويها يملؤ المكان، وبدأ الرئيس السيسي بكل محبه يشرح للرئيس الفرنسي من هي أم كلثوم ولماذا هي كوكب الشرق ولما يحبها الجميع والدور العظيم الذى قامت به لمصر على طول مسيرة حياتها، والتقتا الكثير من الصور في مقهى أم كلثوم. ظل الرئيسان في المقهى ما يقرب من ساعة ونصف، يتحدثان بكل إرياحية وأمان وبعدها توجها إلى إتمام إنتهاء الزيارة متوجهين إلى سياراتهم.
مقهى أم كلثوم الرئيسان احتسا الشاى هناسعادة شديدة وأمان لا يوصف
يقول صاحب مقهى أم كلثوم، كنا نعلم بالزيارة ولكن ما فوجئنا به هو عدم وجود حراسة كثيرة، كانت بسطة جدًا وسار الرئيسان في وسط العامة وألتقينا الكثير من الصور المعبرة عنا وعن حياتنا الأمانة، وهذه رسالة لكل العالم أن مصر بلد الأمن والأمان والثقافات والعلم، ولاحظ الجميع السعادة الشديدة على الرئيس عبد الفتاح السيسى حيث شعرنا جميعًا أنه يشعر بالحنين لمكانه الذى عاش وتربي فيه، وسط أهله ومنحنا جميعا نظرات الحب والعطف والفخر، وكنا جميعا نجلس بالقرب منهما ونشعر أنه جزء منا، وسلم الرئيس على التخت الذى يعزف نغمات أغانى أم كلثوم، وحمل الرئيس الفرنسي طفله صغيرة كانت مع والديها جالسين بالقرب منهما. إحساس لا يوصف.
مقهى أم كلثوم في خان الخليلى
صورة سيلفي بألف كلمة
صورة توحى بمدى الأمان الذى يشعر فيه جميع الأشخاص فيها، وضحكات نسمع صوتها تعلو رغم أنها صورة صماء، ولكنها حية في رسائلها ومعانيها التي تبعثها للعالم، إسلام جمعة شاب من أهالى منطقة خان الخليلى إاتقط صورة سيلفي مع السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خان الخليلي، وكانت صورة بألف كلمة، حيث قال إسلام لإحدى القنوات الفضائية المصرية”ماكنتش أعرف إنه جاي، وهزر معايا أنا وأهالي المنطقة عندنا، ومانمناش من الفرحة”، مردفا: “قال لي خد سيلفي صورة حلوة، وقال لنا انتو شباب محترمة وزي الفل”.
الرئيس مع شباب الجمالية في صورة سيلفى
رسائل إنسانية من خان الخليلي
رسالة واضحة وهادفة وصلت إلى العالم أجمع أن مصر بلد الأمن والاستقرار، والقاهرة القديمة برائحتها التاريخية وجدرانها العتيقة ليست مجرد مزار سياحى، بل أنها روح تحيا عبر حضارة عمرها آلاف السنين. وأشاد العديد من رجال السياسية والمشاهير بزيارة الرئيس السيسي ونظيره ماكرون إلى منطقة خان الخليلى تحديدًا، حيث قال المهندس حازم الجندي، عضو مجلس الشيوخ وعضو الهيئة العليا بحزب الوفد، أن الزيارة تعكس مدى توازن السياسة الخارجية المصرية، حيث حملت الزيارة أبعادا تتجاوز الرمزية، ورسالة واضحة على انفتاح مصر الثقافي، وحرصها على تقديم نموذج من التسامح والتعايش، من خلال عرض حي لتراثها الشعبي والروح الحقيقية للمجتمع المصري.
صور سيلفى مع الرئيس السيسيزيارة حفرت نفسها في لتاريخ
زيارة الرؤساء لخان الخليلي لم تكن فقط وقفة سياحية ولا جولة استكشافية لبلد عريق، بل كانت درسًا حيًا في الدبلوماسية الشعبية حقًا، وتجسيدًا فعليًا للقوة الناعمة التي تملكها مصر عبر تاريخها، وأهلها، وروحها التي لا تُشبه أحدًا. إنها زيارة ستحفر نفسها في ذاكرة التاريخ.
المكان الذى تناولا فيه الرئيسان الشاى بعد العشاء
أمن مقهى نجيب محفوط
صور
و تبقى الحضارة الفرعونية من دون شك مصدر شغف وافتتان، شرقاً وغرباً، وخصوصا عند الفرنسيين، بدءا من حملة نابليون بونابرت وفك رموز الكتابة الهيروغليفية، وصولا إلى مسلة الأقصر فى ساحة الكونكورد، فى باريس، إلى المعارض التى تجذب ملايين الزوار، ليتمتعوا بمشاهدة الحضارة المصرية العريقة وما بها من آثار خالدة حيث تكون هذه المعارض مجرد نبذة بسيطة عما تركه الأجداد، مما يزيد من شغفهم لزيارة مصر والتعرف عن قرب عن الحضارة المصرية القديمة وزيارة الأماكن التى جاءت منها هذه القطع الأثرية.
وظهر ذلك من خلال حرص الرئيس ماكرون على زيارة المتحف المصرى الكبير، والتى جاءت ضمن أولى محطاته فى زيارته إلى مصر، وأبدى الرئيس الفرنسي انبهاره بالتنظيم الدقيق وطريقة عرض أكثر من 50 ألف قطعة أثرية، بينها المجموعة الكاملة لتوت عنخ آمون، كما وقف طويلًا يتأمل تمثال رمسيس الثاني، متأثرًا بعظمة الحضارة المصرية، ومشيدًا بالجهود المبذولة في الحفاظ على التراث.
وفى يناير عام 2019، حرص أيضا الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون وزوجته قبل زيارتهما القاهرة، على القيام بجولة سياحية في معبدي أبوسمبل بمحافظة أسوان .
وأعرب الرئيس الفرنسي وزوجته عن بالغ الإعجاب بصنيع يد الحضارة الفرعونية مبديان تقديرهما لتلك الحضارة العظيمة .
وتعد فرنسا من أكثر الدول الأوربية اهتمامًا بالحضارة المصرية القديمة، حيث تجذب المعارض الفرعونية فى باريس مئات الالاف من الزوار، فعلى سبيل المثال معرض “توت عنخ آمون: كنز الفرعون” الذى أقيم عام 2019 في باريس، والذى سجل رقما قياسيا واستقطب 1.42 مليون شخص شغوف بالحضارة المصرية، ومعرض “رمسيس وذهب الفراعنة” والذى حقق نجاحا كبيرا فى جذب عدد هائل من الزوار.
كما تضم فرنسا الكثير من المتاحف التي تعرض آثارًا مصرية في أغلب مدنها، بالإضافة إلى متحف اللوفر الذي يعتبر من أهم المتاحف العالمية التي تعرض فنون الحضارة المصرية القديمة والذي يظهر أيضًا شغف الشعب الفرنسي بالحضارة المصرية.
ماكرون فى المتحف الكبير
وفى ضوء ذلك نجد أن ماكرون ليس أول رئيس فرنسي يقع في هوى الآثار الفرعونية بل سبقه الرئيس الراحل فرانسوا ميتران الذى كان مغرما بمصر الذي كان يحرص على قضاء عطلات الكريسماس فى أسوان وزار مختلف المواقع الأثرية في عدة محافظات مصرية أبرزها كذلك دير سانت كاترين في سيناء،
وكذلك الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزى قضى الكثير من العطلات في الأقصر برفقة زوجته، سواء خلال وجوده في الحكم أو بعد مغادرته قصر الإليزيه.
ففى عام 2022 وفى زيارة مختلفة، عن زياراته السابقة إلى مصر، زار الرئيس الفرنسى الأسبق نيكولا ساركوزى وأسرته منطقة أهرامات الجيزة، فى إطار زيارة استمتعوا خلالها بمقوماتها السياحية والأثرية، وتوقف “ساركوزى” وأسرته أمام عظمة وشموخ الأهرامات وأبو الهول، والتقطوا العديد من الصور الفوتوغرافية، لتسجيل تلك اللحظات التاريخية، وقد زار الرئيس الفرنسى الأسبق وأسرته، أيضا عددا من المواقع السياحية والأثرية بمدينتى الأقصر وأسوان فى بداية رحلتهم السياحية فى مصر فى ذلك الوقت.
وليس هذا فحسب، بل إن كشف لغز اللغة الهيروغليفية يعود إلى العالم الفرنسي فرانسوا جان شامبليون رنسي الذي يعتبر أحد واضعي أسس علم المصريات، حيث ظهر اهتمام شامبليون بالتاريخ المصري والنص الهيروغليفي في سن السادسة عشرة من عمره، ألقى محاضرة أمام أكاديمية غرينوبل والذي جادل فيها بأن اللغة المحكية من قِبل المصريين القدماء، والتي كتبوا من خلالها النصوص الهيروغليفية، كانت مرتبطة بشدة باللغة القبطية. أثبتت وجهة النظر هذه أنها ذات أهمية في القدرة على قراءة النصوص، وأكد التاريخ على صحة العلاقة المقترحة بين القبطية والمصرية القديمة. مكنه هذا من اقتراح أن النص الشعبي قد مثّل اللغة القبطية.
ومن كلمات شامبليون المأثورة “من بين كل الأشخاص الذين أفضلهم، سأقول بأنه لا أحد عزيز على قلبي كالمصريين“.
وبحسب ما قال قصر الإليزيه سابقا، منذ شمبليون، مؤسس علم المصريات في بداية القرن التاسع عشر، ظلت “الآثار المصرية في قلب العلاقات الفرنسية-المصرية” .
ومن أمثلة تقدير الفرنسيين للحضارة الفرعونية كذلك أن المدخل الوحيد لمتحف اللوفر في باريس يكون عبر هرم زجاجي تم تشييده عام 1999، ويضم اللوفر جناحا خاصا للآثار الفرعونية يقبل عليه آلاف الزوار سنويا، ويعتبر من أشهر أجنحة المعرض، ويعد متحف اللوفر ثاني متحف يمتلك آثار مصرية في العالم بعد المتحف المصري.
وفي 2023، كانت فرنسا محطة من محطات معرض “رمسيس وذهب الفراعنة” الذي جاب 10 مدن فرنسية، واستطاع أن يجذب أكثر من نصف مليون زائر .
وتقديرا لحب الفرنسيين للحضارة الفرعونية تم اختيار تابوت مومياء الملك رمسيس الثاني لعرضه بشكل استثنائي لأول مرة خارج مصر في محطة فرنسا من المعرض وهو ما يأتي تقديرًا لدور العلماء الفرنسيين في تقديم المساعدة والدعم في ترميم ومعالجة مومياء الملك رمسيس الثاني في عام 1976.
وعلى صعيد التعاون المشترك في مجال الحفريات والترميم، تعتبر البعثات الفرنسية من أهم وأكبر البعثات الأجنبية العاملة في مصر، حيث نجحت في اكتشاف الكثير من الآثار الفرعونية، خلال السنوات الماضي.
يذكر أن حجر رشيد الذي كان مفتاح الوصول لترجمة اللغة الهيروغليفية اكتشفه ضابط فرنسي ضمن الحملة الفرنسية على مصر (1798 – 1801).
ويعمل في المواقع الأثرية المصرية حاليا أكثر من 35 بعثة فرنسية كل عام في مختلف المحافظات المصرية، ولا يقتصر دورها على اكتشاف الكنوز الذهبية الفرعونية، أو حياة ملك ما في أحد العصور فحسب، بل تبحث عن تركيبة حياة المصري القديم بشكل خاص، في الاقتصاد والسياسة، وغيرها
ويضم المتحف المصري الكبير بعضا من الاكتشافات الفرنسية، منها البرديات التي تم اكتشافها في وادي الجرف، وبعض القطع المكتشفة في منطقة سقارة.
ويوجد كذلك 3 معاهد علمية فرنسية في مصر هي المعهد الفرنسي للآثار الشرقية IFAO، والمركز الفرنسي المصري لدراسة معبد الكرنك CFEETK، ومركز الدراسات السكندرية CEAlex.





