الدرج الذي يتنفس في الدرجِ جثثٌ من الرسائل… وأنا عاملُ تشريحٍ متعب،يُعيدُ كلَّ ليلةٍ فتحَ الموتِ بنفسه كي يتأكد أنّ الألمَ ما زال يتنفّس. بعضُ الرسائل كانتْ تضعُ العطرَ على كلماتها كأنّها ذاهبةٌ إلى موعدٍ غرامي، والآن حين ألمسُها أشعرُ أنّ أصابعي تخرجُ من بئرٍ مليئةٍ بأسنانِ الذكريات. هناك رسالةٌ مثنيّةٌ عند الزاوية كجسدِ شخصٍ تعلّمَ الانكسارَ مبكرًا. ورسالةٌ أخرى ثقيلةٌ إلى درجة أنّ الدرجَ نفسه يئنُّ كلّما اقتربتُ منها، كأنّ الخشبَ أيضًا يحفظُ ما فعلتهُ بنا الكلمات. أحيانًا، أسمعُ الليلَ يفتّشُ معي، يمرّرُ أصابعَه السوداء بين الأوراق كأعمى يبحثُ عن وجهِه الأخير. وأنا؟ لم أعد أقرأ الرسائل…أنا فقط أقيسُ عددَ المقابر التي استطاعَ القلبُ أن يُخفيها داخلَ قطعةِ أثاث. وفي أسفلِ الدرج…توجدُ رسالةٌ لا أجرؤُ على لمسِها، كأنّها قنبلةٌ صُنعتْ من نبضي القديم. كلّما اقتربتُ منها أشعرُ أنّ الغرفةَ تضيق، وأنّ الهواءَ يتحوّلُ إلى ترابِ مقبرةٍ رطب. الغريب…أنّ الرسائلَ لا تموتُ حين نهجرُها بل تتخمّرُ فيها رائحةُ الغياب ثمّ تبدأُ بأكلِ صاحبِها من الداخل. لهذا صرتُ كلّ ليلةٍ أسمعُ خشخشةً خفيفةً في الدرج، كأنّ الكلماتِ اليابسة تحاولُ الزحفَ نحوي. مرّةً، فتحتُه عند الثالثةِ فجرًا، فرأيتُ وجهي منعكسًا على دبّوسٍ صدئ، وكان يبدو كصورةِ مطلوبٍ للنجاة من نفسه. أحيانًا أشعرُ أنّ الدرجَ يتنفّس…يفتحُ فمَه الخشبيَّ قليلًا ثم يُغلقه كشخصٍ يخفي صراخًا قديمًا.ففي الليالي الثقيلة تصبحُ الرسائلُ رطبة، كأنّ أحدهم أخرجها للتوّ من نهرٍ مليءٍ بالغرقى. أمدُّ يدي نحوها فأشعرُ أنّ أصابعي تعودُ أقلَّ عددًا، كأنّ الورقَ يقتطعُ منّي أجزاءً صغيرة كلّما حاولتُ تذكّرَ شيء. لم تعد الرسائلُ تُقرأ…بل تُرتدى، كالأمراضِ الوراثيّة، تنتقلُ من سطرٍ إلى نبضة. أتعرفُ ما الأكثرُ رعبًا؟ أنّ بعضَ الرسائل كُتبتْ بحبٍّ حقيقي…وهذا ما يجعلُها أشدَّ وحشيّةً الآن. لأنّ الأشياءَ التي قتلتنا لم تدخلْ حياتنا كسكّين… بل دخلتْ كأذرعٍ دافئة.