المقالات والسياسه والادب

السُّجُودُ الَّذِي يُحَرِّرُ بقلم الباحثة فاطمة اسكيف

السُّجُودُ الَّذِي يُحَرِّرُ

فِي عُمْقِ التَّجْرِبَةِ الإِيمَانِيَّةِ، يَكْمُنُ سُؤَالٌ قَلَّمَا يُطْرَحُ بِصِدْقٍ:
لِمَنْ نَسْجُدُ؟
وَمَا مَعْنَى أَنْ نَسْجُدَ أَصْلًا؟
قَدْ يَبْدُو السُّجُودُ طَقْسًا بَدَنِيًّا، وَلَكِنَّهُ فِي جَوْهَرِهِ إِعْلَانٌ وَاضِحٌ: لِمَنْ تُسَلِّمُ ذَاتَكَ؟
هَلْ تَسْجُدُ لِأَنَّكَ حَرَّرْتَ عَقْلَكَ وَاهْتَدَيْتَ؟
أَمْ لِأَنَّكَ خَضَعْتَ، وَرُوِّضْتَ، حَتَّى صِرْتَ تُكَرِّرُ مَا لَا تَفْهَمُ، وَتُطِيعُ مَا لَا تُؤْمِنُ بِهِ، فَقَطْ لِأَنَّكَ: “وَجَدْتَ عَلَيْهِ آبَاءَكَ”؟
فَالسُّجُودُ لِلَّهِ…
سُجُودٌ بِالْعَقْلِ أَوَّلًا، وَبِالْقَلْبِ ثَانِيًا.
السُّجُودُ لِلَّهِ فِعْلُ وَعْيٍ، لَا طَاعَةٌ عَمْيَاء.
فَحِينَ يَسْجُدُ الإِنسَانُ لِلَّهِ بِحَقٍّ، فَإِنَّهُ يُعْلِنُ تَحَرُّرَهُ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ !!
مِنَ الْعُبُودِيَّاتِ الْخَفِيَّةِ،
مِنْ سَطْوَةِ الْجَمَاعَةِ،
وَمِنْ إِرْثِ التَّقْلِيدِ الَّذِي لَا يُسَاءَلُ…
إِنَّهُ يَسْجُدُ لِأَنَّهُ وَجَدَ فِي اللَّهِ مَلَاذَ الْعَقْلِ وَالْقَلْبِ مَعًا،
لَا لِأَنَّهُ خَافَ مِنْ جَحِيمٍ، وَلَا طَمِعَ فِي فِرْدَوْسٍ.
أَمَّا السُّجُودُ لِلطَّاغُوتِ، فَلَيْسَ دَائِمًا سُجُودًا مُعْلَنًا.
قَدْ يَكُونُ فِي صُورَةِ تَقْلِيدٍ أَعْمَى،
أَوْ خُنُوعٍ لِفِكْرٍ جَمَاعِيٍّ أَوْ خُضُوعٍ لِسُلْطَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ سِيَاسِيَّةٍ تُلْزِمُكَ بِمَا لَا تُدْرِكُهُ، وَتُغْلِقُ عَلَيْكَ بَابَ السُّؤَالِ..
فَالطَّاغُوتُ لَا يَأْتِيكَ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ؛
قَدْ يَتَزَيَّنُ بِالدِّينِ، أَوْ يَلْبَسُ لِبَاسَ الْعَقْلِ.
وَلَكِنَّهُ دَائِمًا يَطْلُبُ مِنْكَ شَيْئًا وَاحِدًا:
أَنْ تُسَلِّمَ لَهُ عَقْلَكَ… دُونَ مُسَاءَلَةٍ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ السُّجُودَيْنِ جَوْهَرِيٌّ.
فَاللَّهُ يُخَاطِبُكَ قَائِلًا:
﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
أَمَّا الطَّاغُوتُ، فَيَقُولُ ضِمْنًا:
“لَا تُفَكِّرْ… فَقَطْ اتَّبِعْ.”
السُّجُودُ لِلَّهِ لَحْظَةُ وَعْيٍ كُبْرَى.
لَحْظَةٌ تَقُولُ فِيهَا لِلَّهِ:
“هَا أَنَا ذَا، بِكُلِّ شُكُوكِي وَضَعْفِي وَتَرَدُّدِي… آتِيكَ لِأَنِّي وَجَدْتُ فِيكَ الْحَقَّ الَّذِي لَا يَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أَكُونَ تَابِعًا، بَلْ أَنْ أَكُونَ صَادِقًا..
و في زَمَنٍ تُرَادُ فِيهِ نُسْخَتُكَ وَ يُخْنَقُ فِيهِ سُؤَالُك
يُصْبِحُ السُّجُودُ لِلَّهِ مَوْقِفًا تَحَرُّرِيًّا.
لَيْسَ تَمَرُّدًا عَلَى الدِّينِ بَلْ عَوْدَةٌ إِلَى جَوْهَرِهِ:
أَنْ تَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَحْدَهُ، لَا لِأَيِّ بَشَرٍ يُقَنِّعُ التَّسَلُّطَ بِاسْمِ الطَّاعَةِ.
فَالسُّجُودُ لِلَّهِ…يَرْفَعُكَ.
وَالسُّجُودُ لِغَيْرِهِ… يُطْفِئُكَ، وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ عَلَى نُورٍ.
فَاخْتَرْ سُجُودَكَ:
سُجُودًا يُحَرِّرُكَ…
أَمْ سُجُودًا يُكَرِّسُكَ تَابِعًا فِي زِحَامٍ بِلَا وَجْهةٍ…

وَمَصْدَرُ بَحْثِي كَلَامُ الله الْحَقْ

أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (22)الملك

مقالات ذات صلة