يهدف هذا البحث إلى مقاربة ماهية الشعر العربي وكينونته بوصفه ظاهرة ثقافية وإنسانية عابرة للعصور، لا باعتباره شكلاً فنياً فحسب، بل باعتباره خطاباً وجودياً ولغوياً ورمزياً يعكس جدلية الغياب والحضور، الذات والجماعة، التراث والتجديد. اعتمدت في هذه الدراسة على المنهج الهيرمينوطيقي التأويلي مدعوماً بمقاربات أسلوبية ورمزية، للكشف عن دينامية البنى الشعرية العربية وكيفية إنتاجها للمعنى، مع الاستعانة بمرجعيات نقدية وفكرية عربية وغربية.
–الإشكالية: كيف يمكن للشعر العربي، في بنيته اللغوية والأسلوبية والتأويلية، أن يحافظ على كينونته الوجودية بوصفه خطاباً للحرية والهوية، رغم تحولات التاريخ وتغير أفق التلقي؟
–المنهج: المنهج الهيرمينوطيقي التأويلي: لفهم النصوص الشعرية في علاقتها بالذات والآخر والسياق التاريخي.
_ المنهج الأسلوبي: لتحليل البنية اللغوية والخيال الشعري والانزياحات الدلالية.
_ المنهج الرمزي: للكشف عن الرؤى العميقة التي يحملها الشعر من خلال الأسطورة والرمز والاستعارة.
— المحاور: _ 1. ماهية الشعر وكينونته: الشعر ليس وزناً وقافية فحسب، بل فعل وجودي يفتح اللغة على العالم (هايدغر). عند العرب كان الشعر ديوان الهوية وذاكرة الأمة، بينما عند أدونيس هو “تحول دائم للغة”. هذه الجدلية بين الموروث والحداثة تجعل الشعر كينونة متجددة. _ 2. الشعر كخطاب لغوي وتجربة إنسانية: تؤكد القراءة الإمبريقية أن الشعر يتجاوز المباشرة إلى لغة الانزياح، حيث تتحول المفردة من المعنى القاموسي إلى معنى إشاري ورمزي. هنا تتجلى التجربة الشعرية بوصفها ملكية مشتركة بين الشاعر والمتلقي (إليوت: الشعر هروب من الذات/عودة أعمق إليها). 3. البنيان الأسلوبي: _ الشعر القديم: إيقاع صارم، فخر، حماسة، وصف.
_ الشعر الحديث: تقطيع إيقاعي، صور كثيفة، توظيف الأسطورة. الإيقاع –ظاهراً أو مضمراً– هو جوهر الشعر (باشلار: الشعر إيقاع يسكن اللغة). 4. البعد الهيرمينوطيقي (التأويلي): _ النص الشعري فضاء مفتوح على تعددية القراءة. _ المتنبي قُرئ سياسياً ووجودياً. _ درويش قُرئ وطنياً وكينونياً. المعنى ليس ثابتاً، بل يتشكل بين النص والقارئ والسياق. _ 5. الشعر بين الفلسفة والرمزية: _ الفلاسفة: أفلاطون رفض الشعر، هايدغر جعله بيت الوجود. _ النقاد: عبد القاهر الجرجاني أكد على “النظم” لا اللفظ. _ الشعراء: أبو تمام والمتنبي قلبا المألوف، السياب وظف الأسطورة، درويش حوّل الشعر إلى وطن بديل. _ 6. الشعر بين الفردي والجمعي:
_ الفردي: قلق وغربة (البياتي). _ الجمعي: هوية ووجدان جماعي (درويش). هنا تكمن قوة الشعر العربي في جمعه بين الخاص والكوني.
— الخاتمة: يتضح من خلال هذه الدراسة أن الشعر العربي ليس مجرد جنس أدبي بل كينونة وجودية، وفضاء تأويلي مفتوح. فهو يجمع بين البنى اللغوية والأسلوبية والرمزية، وينتج معاني تتجاوز حدود النص لتصوغ الوعي الجمعي والفردي معاً. الشعر، بهذا المعنى، ليس ترفاً جمالياً بل بيتاً للهوية والحرية والوجود. كما قال محمود درويش: “نحن نكتب الشعر لكي نكون”؛ فالشعر العربي يظل سؤال الوجود العربي، وبوصلة المعنى في زمن العدم والاغتراب.