المقالات والسياسه والادب

الصمتُ ليسَ فراغًا.. بل امتلاء..بقلم مستشار محمود السنكري

الصمتُ ليسَ فراغًا.. بل امتلاء
بقلم مستشار محمود السنكري

في عالمٍ يضجُّ بالصوت ويختنق بالحكايا ويُطارد فيه الإنسان أنفاسه بين همسةٍ وصراخ، يجيء الصمتُ لا كغياب بل كحضورٍ مهيب له هيبة الملوك وسكون الحكماء وعمق البحار.

ليس الصمتُ خواءًا كما يظنُّ بعضهم بل هو امتلاءٌ صامت، امتلاءٌ بالفكرةِ التي لم تُصَغْ وبالشعورِ الذي استعصى على التعبير وبالحكمةِ التي آثرت الغموض على الابتذال.

الصمت يتكلَّم لكنه لا يتكلم كما تتكلَّم الشفاه، بل كما تتكلَّم العيون حين تفيض ولا تُفصح، هو اللغة التي يختارها القلب حين تضيق به اللغة ويعجز اللسان، إنه العبارة التي لا تُقال لكنها تُفهم، تُحسّ وتُلمس وتُحاط بهالةٍ من نور.

 ولا يجيء الصمت ضعفًا بل اختيارًا، حين تُغني النظرة عن القول، ويكفي الحضور عن التبرير، يُصبح الصمتُ قمَّة البلاغة، وذروة الحضور.

الصمت مرآة الداخل.. حين نلوذ بالصمت نحن لا نهرب بل نعود، نعود إلى الذات، إلى العمق، إلى تلك المساحات التي غطّاها الغبار في زحمة الأيام، في الصمت نرى وفيه نسمع وفيه نولد من جديد.

فالصمتُ بمثابة تمرينٌ على الإنصات… لا للآخرين بل للذات، للوجدان، لذلك الصوت الخافت الذي لا يُسمع وسط صخب الحياة.

الصمتُ لا يخون.. في العلاقات كثيرًا ما يُساء فهم الصمت، يُظنُّ تبلدًا أو جفاءًا أو تجاهلًا، لكنّ الصمت الحقيقي لا يخون فهو وفاءٌ من نوعٍ خاص لا يحتاج إلى تصفيقٍ أو تبرير.

أن تصمت أمام من تُحب ليس هروبًا بل امتلاء، امتلاءٌ بالمحبة حتى لا تُقال، أن تصمت في وجه من أساء ليس ضعفًا، بل نبل، نُبلُ من يعرف أن الرد لا يُضيف شيئًا وأن الكرامة أثمن من الجدل.

الصمت مقاومة الزمن فله قدرةٌ خارقة على توقيف الزمن وفي حضرته تتباطأ اللحظة ويتمدد الإدراك، لا يسير الصمت على توقيت الساعات بل على نبض الوعي، هو تأملٌ عميق في مشهدٍ بسيط، هو انحناءة الروح أمام قدسية اللحظة.

الصمت في حقيقته امتلاءٌ لا يُرى لكنه يُشعَر كالسكون الذي يسبق الموسيقى، كالأبيض الذي يحتوي الألوان، كالمسافة بين حرفين تلك التي تصنع المعنى.

فلنصمت… لا خوفًا من الحديث، بل توقيرًا له.

لنصمت… لا لنعجز عن التعبير، بل لأن التعبير أحيانًا يخذلنا، ويجتزئ من المعنى أكثر مما يضيف.

ولنصمت، حين يكون في الصمت… كل الكلام.

مقالات ذات صلة