المقالات والسياسه والادب

المدينة التي تنفست في الحلم

المدينة التي تنفّست في الحلم

‏بقلم الكاتبة إيمان نجار 

 

‏في مكانٍ لا تُدركه الخرائط، قامت مدينة كاملة… لا شوارعها تعرف الزحام، ولا جدرانها سمعت صوت الألم.  

‏مدينة تنبض بهدوء، تسير شمسها بتمهّلٍ على أطراف السُحب، وتنام قمراتها فوق وسادة الهدوء.  

‏لكنها ليست على الأرض… إنها تسكن رأس نائم، تنمو بين أهدابه، وتُضاء كلّما أغمض عينيه.

‏في تلك المدينة، لا توجد ساعات… فالزمن فيها لا يمشي، بل يحلّق.  

‏الناس يبتسمون دون سبب، والبيوت تُرحّب بك كما لو كانت تعرفك منذ البدء.  

‏الأشجار تتكلم، والطرقات تحفظ خطى أحبابٍ لم نلتقِهم بعد.

‏هي مدينة ولِدت من قلب الحالم، من أمنياته المكبوتة، من تفاصيل أرادها يومًا ولم يجدها.  

‏كلّ ركن فيها يحمل ذاكرة… نافذة حنين، أو مقعد وداع لم يكتمل.  

‏والأغرب، أن المدينة كانت تعرف أنها ليست حقيقية، ومع ذلك… عاشت كأنها الخلود.

‏لكن مع أول ارتجافة جفن، خافت المدينة، ارتعشت ألوانها، وتساءلت:  

‏”هل نموت إن استيقظ؟ هل نتحوّل إلى رماد ذكرى؟ أم نبقى نائمين في زاوية قلبه، ننتظر عودته إلى النوم؟”

‏هذه هي المدينة التي لا يسكنها البشر، بل تسكنهم.  

‏مدينة لا أبواب لها… إلا في الحلم.

‏ولأن المدينة خُلِقت من الحلم، فإنها لا تخاف الموت… بل النسيان.  

‏فالموت نهاية، أما النسيان فهو حياة مُعطّلة، ظلّ بلا جسد.

‏عادت الريح تمرّ في شوارعها كأنها تهمس:  

‏”اقترب الصباح، واليقظة على الأبواب…”  

‏فتجمّعت الذكريات في الساحة الكبرى، حمل كلّ مبنى صوته، وكلّ حجرٍ حكايته.  

‏وارتفعت في السماء مناجاة:

‏”أيها الحالم، لا تستيقظ بعد…  

‏دع المدينة تحيا قليلًا، دعنا نرقص في الفراغ، ونعيد ترتيب ما كسرته الحياة فيك.”

‏وفي آخر لحظة، وقبل أن يفتح عينيه،  

‏أرسلت المدينة إلى قلبه وردةً من ضوء،  

‏وهمست له بصوتٍ لن يسمعه إلا حين يعود إلى النوم:

‏**”نحن هنا… لا زلنا ننتظرك.  

‏كل ما عجزتَ أن تعيشه، بنيناه لك في الحلم…  

‏تعال كلّما أوجعتك الحياة.”

‏وهكذا، اختفت المدينة…  

‏لكنها لم تمت.  

‏فهي تسكن في مكانٍ أعمق من الحلم:  

‏في قلبٍ يؤمن أن الجمال موجود، وإن لم يراه بعد

مقالات ذات صلة