المدينة التي لا يزورها أحد لم يكن أحدٌ يعلمُ أنَّ في داخلهِ مدينة... مدينةٌ لا تظهرُ على الخرائط، ولا تُضاءُ شوارعُها في الليل، ولا يسمعُ أحدٌ صوتَ الانفجاراتِ التي تحدثُ فيها. كانوا يرونهُ يبتسم، ولم يعرفوا أنَّ بعضَ الابتساماتِ ليست فرحًا... بل نوافذَ صغيرةً يُخفي الإنسانُ خلفَها حريقَهُ، كي لا يخيفَ الآخرين. في داخلهِ كانت هناكَ حربٌ بلا جنود، ومعاركُ بلا أصوات، وأشياءُ كثيرةٌ كانت تموتُ كلَّ يوم... دون أن يُعلنَ أحدٌ عنها الحداد. كان يُرمِّمُ جدرانَهُ في الليل، ثمَّ يخرجُ في الصباح كأنَّهُ لم يفقد جزءًا من نفسهِ تحتَ الأنقاض. لم يكن أقسى ما مرَّ بهِ أنَّ المدينةَ تهدَّمت... بل أنَّ الذين مرّوا من أمامِها كانوا يظنّون أنَّ الأضواءَ المعلَّقةَ على أطرافِها دليلُ حياة. لم يعرفوا أنَّ بعضَ المدنِ تُشعلُ مصابيحَها... فقط كي لا يرى أحدٌ ظلامَها. كان يحملُ في صدرهِ شوارعَ مغلقة، أبوابًا فقدت مفاتيحَها، وغرفًا ما زالت تحتفظُ بأصواتِ الذين رحلوا. ومع مرورِ الوقت... تعلَّمَ أن يُخفي أصواتَ الخرابِ في داخله، كما تُخفي الجدرانُ القديمةُ شقوقَها خلفَ طبقةٍ جديدةٍ من الطلاء. تعلَّمَ أن يقول: "أنا بخير" بكلِّ هدوء... حتى كادتِ الكلمةُ نفسها تنسى أنَّها كانت يومًا كذبة. لم يكن يحتاجُ إلى من يُنقذهُ من العالم... كان يحتاجُ فقط إلى شخصٍ واحد، يدخلُ تلكَ المدينةَ التي في صدرهِ، ولا يخافُ من شوارعِها المهجورة، ولا يسألُهُ لماذا تركَ بعضَ الأبوابِ مغلقة. فبعضُ القلوبِ لا تحتاجُ إلى من يُصلحُها... بل إلى من يجلسُ بجانبِ خرابِها، ويقولُ لها: "أعرفُ كم حاولتَ أن تبقى." وفي آخرِ تلكَ المدينة... غرفةٌ صغيرةٌ لا يفتحُها لأحد. ليست لأنَّها تخفي أسرارَه... بل لأنَّها تحتفظُ بالنسخةِ الأخيرةِ منه، قبلَ أن يتعلَّمَ كيفَ يكونُ قويًّا. وفي النهاية... لم تكن مأساتُهُ أنَّ المدينةَ احترقت. فالنارُ مهما اشتعلت... تنطفئ. مأساتُهُ الحقيقيَّةُ كانت أنَّهُ أصبحَ بارعًا جدًا في إعادةِ بنائها... حتى نسيَ أنَّهُ كان يحتاجُ يومًا إلى أن يُنقَذ، لا أن يُصفِّقَ الجميعُ لقدرتِه على النجاة.