المقالات والسياسه والادب
الندوات الثقافية وهيمنة الشللية وغياب المؤسسية وإعلان للأذعان في الممر التاسع عشر

بقلم محمد جابر
كاتب صحفي
في هذا الممر تقام حفلات رقص فكري فلا وجود لثقافة حقيقية بل هو قبر للفكر ومأتم للوعي الجمعي حيث تدفن تحت ركام من المونولوجات المستهلكة والعبث والوجوه السيكوباتية والنرجسية والنزعة الاستهلاكية
فإن كنت راغبا في حضور عرض من عروض الرداءة الثقافية فأهلا بك في الممر التاسع عشر حيث لا مكان للثقافة
بعد أن غادرت الممر الثامن عشر وكنت لا أزال تحت وقع الذهول مما شهده المسرح من استباحة لصالح العبث والسطحية وقفت قليلا قبل أن أدخل إلى الممر التاسع عشر وقد أزحت عن جبيني بقايا الدهشة وهمست في داخلي لا تنس أن تحكم رباط وعيك لأن ما ستراه في هذا الممر لا يروى إلا على سبيل التحذير فهنا لا خشبة مسرح ولا فن ولا رسالة بل هاوية يتسع مداها الي ابعد الحدود
في هذا الممر لم أجد ممثلين بل وجوها تتقمص أدوار المفكرين والأدباء والعلماء وغالبا ما يتقنون تقمص دور المطربين لا جمهور يبحث عن الفن ولا مستمع ينتظر الفكرة بل جمهور جاء ليلتقط الصور ويسجل حضوره ويصفق للمجهول وربما يتقاضى مقابل ذلك بأنواع لا تحصى وأنت وحدك من تأتي بلا مقابل فتجد نفسك شريكا في صناعة هذا المشهد الثقافي المتردي
ندوة نعم هكذا يسمونها ضيوف بلا مرجعية مضيفون بلا وعي ضيف شرف لكن لا تبحث عن شرف في الأمر فالمظهر هنا يغني عن الجوهر والكلمات لا تقال لتمثل رأيا بل تلقى لتملأ فراغ الزمن
في الممر التاسع عشر الرداءة تكرم والسطحية تستدعى والعشوائية ترتدي ثوب الفاعلية الثقافية وكأننا أمام سوق نخاسة معلن يقام على مرأى ومسمع من الجميع
دخلت إلى إحدى هذه الفعاليات فوجدتني أفتتح لقاء بترحيب متكلف من مضيف لا يميز بين شاعر وفنان بين مفكر ومثرثر ثم يقدم الضيف بوصفه قامة فكرية رغم أنه لا يملك من القامات سوى ما كتب على بطاقة الدعوة
كان الحديث بلا فكرة الضجيج بلا مضمون والتصفيق بلا سبب وفي كل زاوية من زوايا الممر يتردد سؤال خافت كيف وصل هؤلاء إلى المنصة والإجابة لا تحتاج كثيرا من التأمل فالثقافة هنا تدار كصفقة لا كرسالة كعلاقة لا كاستحقاق لا أحد يسأل عن الإنجاز أو التاريخ أو الأثر المهم أن يعرف الضيف أحدا يعرف أحدا داخل دائرة مغلقة لا ترى إلا مصالحها
سألت نفسي أين الجهات المسؤولة هل هي غائبة أم مغيبة ففي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه قصور الثقافة منابر للمعرفة أصبحت صالونات ركيكة تدار بعقلية القص واللصق وتقام الندوات كما تقام الولائم المعلبة لا لشيء سوى لملء المكان والتقاط الصور أما القيمة فلا أحد يسأل عنها ولا أحد ينتظرها
إن الكارثة الكبرى أن الوعي الثقافي هنا يغتال لا بطغيان السلطة بل بغباء المنصة في كل ندوة يلقى خطاب مستهلك وتردد أكلشيهات ممحونه وتمنح شهادات التقدير لمن لا يستحق ومن لم يقدم ما يذكر تخيل أن الدولة تنفق من ميزانيتها لإقامة ندوة ثم يدعى إليها شخص لا يملك من الفكر إلا اسمه ومن الإبداع إلا حسابه على مواقع التواصل وتمنح المنصة لإنسان يتلعثم في قراءة اسمه ويوصف في الدعوة الرسمية بأنه رمز من رموز التنوير
نحن لا نحارب تيارا فكريا بل نحارب الفراغ والأدهى أن الفراغ أصبح نجم الندوات وأيقونة المشهد الثقافي الحالي وكل من يرفض هذا العبث يتهم بالهدم والحقد والغيرة وربما يقال له إنه لا يفهم اللعبة نعم صارت الثقافة لعبة تدار بالشللية ويقصى منها أصحاب القيمة لأنهم ببساطة يعلمون مدي اضمحلالهم الثقافي
كل من يزن يكرهون صوته وكل مغيب معدوم الضمير له دور في تكريس هذا العهر الثقافي
وفي إحدى زوايا الممر جلست مجموعة من الشباب على الأرض فجلست إلى جوارهم وسألتهم لماذا لم تحضروا قال أحدهم نحن جيل يرى الندوات فرصا لتسويق الذات لا منصات حوار ويرى أن الوصول إلى المنصة لا يحتاج إلى جهد بل إلى اتصال مشبوه وقال آخر نحن جيل فقد ثقته بالمؤسسات التي يفترض أن تحتضنه فإذا بها تسقطه ثم تساءل ثالث أين المنصات التي تفتح أبوابها للشباب وأين الوجوه التي تشبهنا وإن وُجدت فهي غلطة لن تتكرر
قلت له وصفت الندوة بالمجون ومن يعتليها بالمجنون فقاطعني لا تقل ندوة نحن نسيء إلى كل شيء حتى أسأنا إلى القيم والمبادئ والأخلاق وكل شيء أصبح يعرف بعكس حقيقته والدور القادم سيكون على الهوية
أدركت حينها أن هؤلاء سبقونا وعيا وفهما ومرجعية وأنهم يحملون بذور المثقف الحقيقي في زمن سلبت فيه الثقافة من أهلها
لنسأل بصراحة ما هي المعايير من يختار المتحدثين من يراجع المحتوى أين النقاد أين وزارة الثقافة من هذا السيرك المتنقل
الجواب واضح في هذا الممر لا أحد يسأل الكل مشغول بالتصوير ومن نشر الصورة على فيسبوك ومن كتب تعليقا ومن اكتفى بإعجاب
إذا لم تتدخل الدولة لا لحجب الندوة بل لإعادة تعريفها إذا لم نعد للمثقف مكانته لا صورته إذا لم نحاكم الفكر الرديء كما نحاكم الفساد المالي فلا تسألوا يوما لماذا عزف الناس عن الثقافة بل اسألوا لماذا فرت الثقافة منكم
في الممر التاسع عشر نحن لا نقيم ندوات بل نقيم مآتم للفكر ولا نكرم المبدعين بل نمنح الرداءة تصاريح عبور
فإما أن نواجه هذا العبث أو نستعد لما هو قادم في الممر العشرين حيث يصبح الجهل أكاديميا والرداءة معيارا والفراغ بطلا قوميا..في الطريق الي الممر العشرين




