المقالات والسياسه والادب
النفايات الفكرية والقاذورات الثقافية تشكل وعي ملوث الممر الرابع والثلاثين

بقلم / محمد جابر
كاتب صحفي
كنت أسير وحدي والممر يهمس بصمت كثيف وقرقعة صوت هناك لم يعد يسمع رأيت رجلا يمشي بمحاذاتي قلت له كنت أعتقد أن هذا الممر كان وعدا بالخلاص فإذا به يعيد إلينا وهم وصور منمقة لأمساخ تسرق لحظاتنا وتقدم لنا الزيف متشحا بأثواب براقة
قال لي هنا الاحداث لم تعد تنقل ما يحدث بل تصنعه وتوجهه وتبقي الناس في دوامة لا تنتهي بين ما يرونه وما يشعرون به
قلت له حتى الأخلاق يا صديقي لم تعد قادرة على الوقوف كأنها دخلت حربا بلا سلاح ضد تيارات لا ترحم وأصبح اللامعقول مقبول
أشار إلى الأرض وقال باعتبار أن هذا الممر سلة كبيرة فمن المنطقي أن مقابلة القاذورات والنفايات أمر حتمي فأنظر إلى هذه القاذورات لم أعد أندهش فالناس فقدوا القدرة على التمييز
سألته ولكن من يملأ هذا المكان بكل هذه الفوضى ألسنا نحن
قال نحن ومعنا الإعلام الذي يوجه العقول كما يشاء ويضع السم في العسل على لسان اعلام يبتسم وكأنه يحمل الحقيقة
قلت له كل شيء بلا حسيب ولا رقيب حتى صار الجهل جريئا والعلم يخجل من الظهور
وغياب القدوة جعل الأجيال تتشبث بأي شخص يتحدث بثقة حتى لو كان يبيع الوهم بثمن الحضور والتكريم بثمن الدرع والشهادة بثمن المشروب والغطاء دوما مدفوع الاجر
ابتسم وقال لا يمكننا تنظيف ممراتك دفعة واحدة لكن يمكن لكل منا أن ينظف مساحته أن يكون مضيفا لا مضافا إليه
سألته وكيف يكون ذلك
قال نفلتر ما نشاهده لا نبتلع كل ما يقدم إلينا نختار الكلمات كما نختار الطعام نرفض الانحدار ونكن مثالا لا مقلدا نمتنع عن مشاركة الزيف نقرع فوق رؤوسهم فطنين الحق يصدح قلوبهم ويمحص عظامهم الهشه
مر طفل صغير وسأل لماذا هذا الممر مليء بالقاذورات هل هو هكذا بطبيعته
انحنى الرجل وقال لا يا بني الممر ليس قذرا بطبيعته بل بما نلقيه فيه وبما نتجاهله من حولنا وبما يعج من تسكعات أهل الزيف
قلت له نحن من يدعم التفاهة نروج لها بالحضور ونشاهدها ونعيد الحديث بالقاء اللوم أو الاعتراض فكلها تكمن دعاية لهم ثم نشكو من انتشارها
قال عندما تغيب الأخلاق لا يصلحها كتاب ولا مقطع توعوي إنها تحتاج إلى وقفة ضمير جماعية إلى صمت نقي يسبق أي حوار
وبصوت يشبه الهزيج قال إذا وجدت نفسك وسط النفايات لا تيأس…. فقط تأكد أنك لست واحدا منها… استوقفتني…..
تاكد انك لست واحد منهم …..
سكت الممر فجأة وكأن الجدران بدأت تسمع وكأن الصدى يردد يعيد إلينا كل ما حدث
ثم مشينا في صمت لا نبحث عن مخرج بل عن بداية فالرغم من صعوبة التغيير فإن الأمل يكمن في الأفراد الذين يرفضون الاستسلام للواقع الملوث بالزيف هم الذين سيقودون شعوبهم نحو ممرات أكثر وضوحا يمكن أن يسير فيها الجميع على طريق الحقيقة دون الخوف من أن يضلوا أو يضلهم بهم…
ومن أجل ذلك إلي الممر الخامس والثلاثين




