المقالات والسياسه والادب

الوريث العاق قصة قصيرة بقلم نور شاكر

الوريث العاق

السابع والعشرون من آذار
كان صباحًا رماديًّا… تتسلّل خيوط الشمس من خلف ستائر المنزل العتيق ببطء، كأنها تخشى أن توقظ الأحزان النائمة في أرجائه. في هذا اليوم، جلس الحزنُ بثقله على ذلك البيت الذي كان يومًا عامرًا بالضحكات، لكنه بات موحشًا، خافت الأركان، منذ أن رحل ربّه وسيده، فهد، الرجل الذي كانت له هيبة الجبل وسكينة النهر.
رحل فهد قبل أشهر، وترك خلفه قلبًا مثقوبًا بالحزن، وأرواحًا معلّقة بخيط الذاكرة، وامرأة عجوزًا، أنهكها الفقد، وأبناءً يتصارعون بين الوفاء والطمع. في ركن غرفة الطعام، حيث الطاولة الخشبية التي اعتادت أن تجمعهم، جلست الأم مع ابنتيها، صفاء ونهال.
كلٌّ منهنّ غارقة في بحرٍ من الأفكار، تلوذ بالصمت كأن الكلمات قد باتت عالةً على الجراح. كانت الأم، بثوبها الأسود الفضفاض، تجلس شاردة، تُحدّق في اللاشيء.تغطي ملامحها مسحة حزنٍ ثقيلة، عيناها غائرتان كأنهما نُزفتا دمعًا، ويديها ترتجفان من تعبٍ لا يُشفى، تعب لا من مرض الجسد، بل من كسر الروح بعد فَقْد الزوج الرفيق.
قالت صفاء، وهي تنظر إلى والدتها بقلق حنون: أمي، تناولي شيئًا من الطعام… لا يجوز أن تبقي هكذا، ستمرضين.
رفعت الأم رأسها ببطء، وكأن صوت ابنتها أعاد لها شيئًا من وعيٍ كان هائمًا، نظرت إليها بعينين تائهتين، ولم تجب.
ثم عزمت على النهوض، كأنها تريد أن تهرب من ألم يثقل كاهلها.
لكن صوت نهال جاءها منكسراً، مشوبًا برجاء يائس: أمي… أأنتِ أيضًا تنوين أن تتركينا؟ ألا يكفينا فراق أبي؟

توقفت الأم، ثم عادت لتجلس على مائدتهم الخرساء، وقالت بصوتٍ خافتٍ يشبه تنهيدة طويلة: لا يا ابنتي، أنا لن أترككم، لكن فراق والدكم ليس بالأمر الهيّن… لقد كان كلّ شيء. ساد صمتٌ ثقيل، قبل أن تقطعه نهال بقلق حارق: وماذا بعد؟ بعد وفاة أبي، ألم تلاحظي؟ أحمد سيسيطر على كل شيء… سيأخذ البيت والمصنع… كل شيء.

أومأت صفاء برأسها، وأشاحت بوجهها عن والدتها وقالت: نعم، بالتأكيد… طالما كان أبي على قيد الحياة، كان يتحكّم بنا… وبوجود تلك الخطيبة الشقراء، التي ما فتئت تحرّضه علينا، بات أكثر قسوة.

رفعت الأم رأسها وقالت بحزم ممزوج برجفة قلب أمّ:

لا تتكلّما عن أخيكما هكذا… سيظل أحمد أخاكم، ولن يتخلّى عنكم، لا يمكنه أن ينسى أن هذا البيت هو إرث والدكم، وأن المصنع مصدر رزقنا الوحيد… وما إن انتهت من حديثها، حتى انفتح باب المنزل بعنف خفيف، ودخل أحمد. وجهه مكفهر، جبينه معقود، كعادته حين يأتي.

لم يلقِ السلام، فقد اعتاد على أن يدخل كالغريب، أو كمن لا يحمل شيئًا من دفء العائلة. ألقى نظرةً سريعة على الجالسين، ثم قال بصوته الحادّ:

قرّرت أن أقرّب موعد زفافي من لينا. ابتسمت الأم بتعب، وقالت: يسعدك الله يا بني… جلس على المائدة، مدّ يده للطعام بلا اكتراث، ثم قال فجأة:

ويجب أن تعلموا أن بعد زفافي، سيصبح هذا البيت باسمي انا وزوجتي ، فهي أحقّ به منكم. سرت القشعريرة في أطراف صفاء، وكأن سُحبًا سوداء اجتاحت صدرها، ثم قالت بدهشة كأنها لم تصدّق:

ماذا تعني، أحمد؟ نظر إليهم جميعًا نظرةً باردة، وقال:أعني أن عليكم أن تجدوا مكانًا آخر، فالمنزل ملكي، وأنا أولى به منكم. أدارت الأم وجهها عنه، لم تقل شيئًا، لكن الدموع تجمّعت في عينيها.لم يكن هذا ما توقّعته… فقدت زوجها، والآن تخسر ابنها، لا للموت هذه المرّة، بل للطمع.

وما هي إلا لحظات، حتى دخل الخال عصمت، وكان قد سمع الحديث كاملاً من خلف الباب. قال بصوتٍ متجهّم:

أحمد… ما الذي تقوله؟ هل جننت؟ردّ أحمد وهو يقف، كمن يستعدّ لمعركة لا رجعة فيها:وهل يُعدّ من الجنون أن أطالب بحقي الشرعي؟ هذا منزلي، وأنا وريث أبي الأكبر. اشتعل الغضب في وجه خاله، وقال:

لا، بل الجنون هو أن تطلب من أمك وأخواتك أن يرحلوا من بيتهم الوحيد. ألم تفكر أين سيذهبون؟ من سيأويهم؟

هذا ليس من شأني… أنا أريد بيتي، أريد أن أبدأ حياتي. أنا الوريث الأحقّ، لا وقت للعواطف!

يا لك من جاحد… لو كنت ابنًا حقًّا، لتذكّرت من سهرت لأجلك الليالي، ومن ضحّت بشبابها لأجلك… من جعلت منك رجلاً، ثم طعنتها!

قال أحمد: يكفيني هذا النقاش، أنتم تعرفون رأيي… عليكم المغادرة.

وانصرف، تاركًا وراءه أمّه تكتم شهقتها، وقلبًا مكسورًا كزهرةٍ ذُبحت في أوّل الربيع. وضعت الأم رأسها بين كفّيها، وبكت كما لم تبكِ من قبل. الزوج، والابن، والبيت، والسنوات التي ضاعت في التربية.

اقتربت منها صفاء، واحتضنتها بشدّة، وقالت:لا تبكي يا أمي… هو لا يستحقك. كنت أعلم أنه سيخوننا هكذا.

قال الخال، بصوته الحنون، يخفي غضبه بوقار الرجال: لا تقلقي، منزلي مفتوح لكم. لن أتركك يا أختي

دخل سامر، الأخ الأصغر، فوجد الجميع في حالة وجوم.

ما الأمر؟ ما الذي يحدث؟ قالت نهال، ووجهها شاحب من الصدمة:

أحمد… أخبرنا أنه يريد أن نرحل من المنزل… يقول إنه ملكه!

وقف سامر مصدومًا، ثم قال بلهجة ثائرة: هل جُنّ؟ وأين سنذهب نحن؟

قال خاله بهدوء حازم: لا تقلق يا بني، بيتي لكم، وسنجد حلًا… لن ننهار، سيأتي يوم يعرف فيه أحمد قيمة العائلة التي ضيّعها

اقترب سامر من والدته، جثا عند قدميها، قبّل يديها، وقال:

لا تحزني يا أمي، سأكون سندك. سأعمل وأكافح، ونجد منزلًا، مهما كان صغيرًا… المهم أننا معًا. لسنا بحاجة إلى القصور، بل إلى قلبٍ واحد لا يخون أحمد خسرنا… لكنه خسر نفسه قبل ذلك.

سيدرك يومًا ما أن العائلة كنز لا يُعوَّض كلمات سامر كانت كالنور يخترق ستار الليل، وكالبلسم يهدّئ الجرح النازف.رغم خيانة الابن الأكبر، كان في الأصغر رجولة تتخطّى العمر، ووعدٌ بأن الحب لا يُهزم حين يكون خالصًا.

وهكذا، انتهى اليوم الذي بدأ بالحزن، بأن عاد الدفء إلى القلوب المُحبّة. فالبيوت لا تُبنى بالحجارة فقط، بل بالقلوب المتماسكة.

وأحمد، رغم أنه نال البيت، فقد خسر أدفأ ما فيه: عائلته.

وسيأتي يوم… يعود فيه نادمًا، يبحث عن عائلة كانت يومًا له،

لكنّه حينها سيجدها وقد رحلت إلى مكانٍ جديد، صغيرٍ، لكنه مغمورٌ بالحبّ، ليس هناك كنز أثمن من عائلة تحبّك حين يخذلك الجميع

مقالات ذات صلة