المقالات والسياسه والادب

بعد وفاة عشرين عاملاً في حادث الإسماعيلية من يوقف نزيف الدم على الأسفلت

بقلم: محمود جاب الله
بعد وفاة عشرين عاملاً في حادث الإسماعيلية من يوقف نزيف الدم على الأسفلت
مرة أخرى نستيقظ على خبر يوجع القلب. عشرون عاملاً كانوا في طريقهم إلى لقمة العيش، فانقلبت بهم الحافلة، أو صدمتهم سيارة، أو ابتلعهم طريق لم يُرحم فيه أحد. عشرون بيتاً فقدت عائلها، وعشرون حلماً تأجل إلى الأبد، وعشرون جنازة خرجت في صمت بينما نحن نتصفح الخبر ثم نمر.
المشهد يتكرر. لا يمر شهر دون أن نقرأ عن ضحايا جدد على طريق سفر، أو على طريق داخلي، أو أمام مصنع. الدم نفسه، والأسفلت نفسه، والوجع نفسه. الفرق الوحيد أن الأسماء تتغير. وكأننا اعتدنا أن ندفع ثمن التنمية بأرواح أبنائنا.
السؤال الذي لا يجرؤ أحد على تأجيله هذه المرة: من المسؤول؟ هل هو السائق المُنهك الذي يعمل 16 ساعة ليكفي بيته؟ أم الشركة التي توفر نقلاً رديئاً بلا صيانة ولا تأمين؟ أم الطريق الذي صُمم لسرعة السيارات ونسي الإنسان؟ أم غياب الرقابة التي لا تستيقظ إلا بعد الكارثة؟ الحقيقة أن المسؤولية جماعية، وحين تكون جماعية فإنها في الغالب لا يتحملها أحد.
عامل اليومية لا يملك رفاهية التأخير. يركب أي شيء يوصله، ولو كان صندوقاً من الحديد بلا فرامل. يقف على الطريق في الفجر وهو يعلم أن العودة ليست مضمونة، لكنه يخرج لأن في البيت أطفالاً ينتظرون. نحن لا نحتاج إلى عبقرية لنفهم أن أرواح هؤلاء ليست أقل من أرواحنا. هم من يبنون، ويزرعون، ويصنعون. هم عصب هذا البلد. فلماذا نتركهم يواجهون الموت وحدهم كل صباح؟
المواساة وحدها لا تكفي. والبيانات التي تعزي وتوعد بالتحقيق صارت تُحفظ. ما نحتاجه الآن قرار واضح: حصر لكل وسائل نقل العمال، وإلزام كل منشأة بتوفير نقل آدمي مؤمن، وتشديد عقوبة من يتهاون في صيانة مركباته. نحتاج كاميرات وردارات لا من أجل المخالفات فقط، بل من أجل الحياة. نحتاج طرقاً بها إضاءة وإرشادات ومسارات آمنة لمن لا يملكون سيارات فارهة.
عشرون روحاً ثمن كبير جداً. وإذا لم نتوقف الآن، فسنعد غداً واحداً وعشرين، ثم ثلاثين. نزيف الدم على الأسفلت لن يتوقف بالحداد، بل بالقانون وبالضمير وبالمتابعة.

رحم الله من رحلوا، وصبر أهلهم. وليكن هذا الحادث الأخير الذي نبكي فيه بلا فعل. فالوطن الذي لا يحمي عماله، لا يستحق عرقهم.

مقالات ذات صلة