المقالات والسياسه والادب
بين الدعوة والعزيمة

كتبت ا. سبيله صبح
بين الدعوة والعزيمة
“وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ”
بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وكما اختص الله الرسل وفضلهم على سائر البشر، كذلك اختص منهم ألو العزم وهم
خمس من أفضل وأعظم الأنبياء، الذين تحملوا الأذى من أقوامهم وصبروا حتى بلَّغوا الدعوة كاملة، وأتموا رسالات ربهم بكل تفاني وإخلاص.
ونحن اليوم نبدأ بالحديث عن أول المرسلين سيدنا (نوح) عليه وعلى نبينا أذكى الصلاة وأتم التسليم.
بعث الله نوحًا عليه السلام في زمنٍ انتشر فيه الشرك لأول مرة بعد أن كان الناس على التوحيد.
حيث تعلّق الناس بأسماء رجالٍ صالحين ماتوا، ثم صوَّروا لهم تماثيل لتذكِّرهم بالصلاح، ومع مرور الزمن تحولت الذكرى إلى عبادة، ومن هنا بدأت عبادة الأصنام.
ووقع الناس في الشرك….. وهنا جاءت بعثة نوح عليه السلام رسالة واضحة، بسيطة، عميقة في معناها: أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.
و كانت دعوته إصلاحًا شاملًا للعقيدة بتوحيد الله، إصلاحًا للأخلاق بترك الظلم والفساد، وإصلاحًا اجتماعيًا بكسر استعلاء المتكبرين على الضعفاء.
تُعد قصة نبي الله نوح عليه السلام من أكثر القصص القرآنية تكرارًا وثراءً في الدروس والعِبر؛ فقد وردت في مواضع متعددة
من القرآن الكريم، منها:
سورة الأعراف، سورة هود، سورة الأنبياء، سورة الشعراء، سورة الصافات…. وغيرها من السور، كما يوجد سورة كاملة باسمه هي سورة نوح.
وهذا التكرار يدل على عِظم شأن هذه القصة وأثرها في بناء الإيمان.
أساليب الدعوة… تنوع وحكمة :
يُصوّر لنا القرآن جانبًا مؤثرًا من جهاد نوح في الدعوة، خاصة في سورة نوح، حيث قال:
﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾، ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾، ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾.
كما ذكر القرآن الكريم أنه كان يستخدم كل وسيلة ممكنة، خطابًا فرديًا هادئًا، دعوة علنية عامة.
تذكيرًا بنعم الله في الخلق والرزق ، ووعدًا بالمغفرة والبركة إن تابوا.
كان يقول لهم إن الاستغفار يجلب المطر، ويزيد الأموال والبنين، ويجعل الحياة أوسع بركة.
ومع ذلك… لم يؤمن إلا قليل .
واجه نوح عليه السلام سخرية قاسية :
اتهموه بالضلال، وطلبوا منه أن يطرد المؤمنين الضعفاء ليجلسوا معه، فكان رده حاسمًا: ما أنا بطارد الذين آمنوا.
وهنا يتجلى مبدأ عظيم في دعوته: الحق لا يُقاس بالمكانة الاجتماعية، بل بالإيمان.
استمرت الدعوة سنوات طويلة جدًا – حتى بلغت تسعمائة وخمسين عامًا كما ورد في القرآن – وهو صابر ثابت لا يتراجع
بعد هذا العمر الطويل من البلاغ والصبر، جاء الوحي الحاسم:
﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ﴾.
كانت لحظة انتقال من مرحلة الدعوة إلى مرحلة التنفيذ.
لم تكن يأسًا، بل حكمًا إلهيًا بأن القلوب التي لم تستجب بعد كل هذا البيان لن تستجيب.
ثم جاء الأمر العجيب: ” اصنع الفلك”.
في أرضٍ بعيدة عن البحر، وبين قومٍ يمرّون به فيسخرون، بدأ نبي الله العمل بصمت المؤمن الواثق.
وهكذا انتهى فصل الدعوة… وبدأ فصل القدر.
…. علمتني قصة نوح عليه السلام : أن البلاغ علينا والنتائج على الله.



