المقالات والسياسه والادب

بين النار والحنين الأستاذ: محمد بايزيد 

بين النار والحنين

الأستاذ: محمد بايزيد 

في أحد أيام الشتاء الرمضانية، كان النهار قصيرًا والجوع يبدأ بالتسلل إلينا. منذ الصباح، أعلنت شركة الغاز أن التزويد سيكون مقطوعًا طوال اليوم. بحثنا عن قارورة فلم نجد، فكان الحل الوحيد اللجوء للحطب لإعداد الفطور.

تحركنا جميعًا كعائلة واحدة: من يجهز الأواني ويرتب الطاولة، ومن يحمل البطاطا والخضار ويركض بين الغرفة والمطبخ. كل شيء كان مزدحمًا وفوضويًا بطريقة ممتعة. أما أنا، فكنت أحاول إشعال الحطب بلا خبرة، أضع أعواد الخشب وأحرك النار، وأشعر بالإحباط أحيانًا بينما الدخان يملأ المكان، وتختلط رائحة الخشب المحترق مع حرارة البيت.

وفي وسط كل هذا، كانت والدتي هادئة، مبتسمة رغم التعب. كانت تخفي أي شعور بالحزن خلف ابتسامة وحركة دقيقة وسلسة. بنظرتها الدافئة، كانت تطمئن الجميع من حولها، ويداها الحانيتان تعد الطعام بصبر وحب لا يضاهيه شيء. كانت تتنقل بين الأواني، تتذوق الطعام وتعدل فيه، وكأن كل طبق يحمل قطعة من ذكرياتنا الصغيرة.

الطاولة كانت تمتلئ شيئًا فشيئًا: شربة الفريك تفوح برائحتها، البطاطا، الكسرة الساخنة، والبوراك، وكل شيء معد بعناية رغم بساطته. كنا نجلس جميعًا عند الأذان، نأكل ونضحك، ونشعر بحرارة النار ودفء البيت. الفقر لم يمنعنا من السعادة، بل أضاف لمسة من الواقعية والحنين لكل لقمة.

كانت لحظات إعداد الفطور مليئة بالفوضى والضحك والمشاحنات الصغيرة، لكن في عيون والدتي كان هناك سلام غريب. تبتسم وتخفف عن الجميع تعب اليوم الطويل، تحبنا بصمت، وكل حركة منها كانت رسالة حب خفية تجعلنا نشعر بأننا محاطون بالدفء والأمان. حتى حين كانت تتعب، كانت تخفي ذلك، وتواصل العمل بابتسامة، حريصة على أن يصل طعم كل طبق إلى قلب كل واحد منا.

واليوم، بعد كل هذا، بعد كل وسائل الراحة والخير الذي أصبح متاحًا، كل شيء موجود… لكنها لم تعد معنا. كل تفاصيل الفطور، النار والدخان، الفوضى المرحة على الطاولة، رائحة شربة الفريك، طعم البطاطا والكسرة الساخنة، وطعم البوراك الذي يحمل كل دفء الذكريات، كلها تذكرنا بها.

وها أنا اليوم، أشعر أن كل لحظة تمر بدونها تزيد ثقل الحنين في صدري. أشتاق إليها كل يوم أكثر، لشمس حضورها الذي كان يضيء البيت، لضحكتها التي تخفف التعب، لابتسامتها التي كانت تخفي كل ألم وتملأ قلوبنا دفئًا. أشتاق إلى لمستها الهادئة، إلى حبها الصامت، إلى طعم كل شيء كانت تعده لنا بيديها، إلى البيت كله عندما كانت فيه. كل ما أرى، كل ما أشم، كل ما أذوق، يذكرني بها ويزيد شوقي. أشتاق إليها بشدة، أشعر أحيانًا أنني بلا قلب، وكأن الحياة ناقصة، وأنني أعيش بين الذكريات فقط… ولا شيء يملأ الفراغ الذي تركته في قلبي.

مقالات ذات صلة