المقالات والسياسه والادب

تشافي على خيبات العبور

كتبت/د/شيماء صبحى

تشافي على خيبات العبور

مَررتُ بِسَنواتٍ عِشْتُ فيها اكتئابًا حادًا فقَدتُ بسبَبِه الرَّغبة بإكْمال الحياة وكُنت في تِلْك السّنَوات أتمنَّى في كُل ليْلة أنْ أنام دون أنْ أستَيْقِظ ؛ أنْ تُغادِر روحي جَسَدِي بِسَلام دون أنْ أشعر بأيِّ وَخْزٍ أو ألَم وأنتَقِل إلى الدَّار الآخِرة حيْثُ النَّعيم الأَبَدِي إنْ أراد لي مالِك المُلْك ذلِك الآن وبعد أن تَماثَلْت للشِّفاء وأصبَحت أكثر حُبًا وتشبُّثًا بالحياة أصبحتُ أعرِف ما الذي يَعنيه الاكتئاب وماذا يَعنِي أنْ يكُون الشَّخص مُكْتَئِبًا ، أصبحت أكثر مُراعاة لظُروف البَشَر وأوضاعهم النَّفسية وأكثر تفهُّمًا لها وأكثر حرصًا على تقديم الدَّعم الذي يحتاجه المُكتَئِبُون ممِن حوْلي لَقَد مَررت بِسَنوات كُنت لا أرى فيها مَخرَجًا ومع ذلك خَرجْت منها ولا أعرِف ما الذي أخرجني تحديدًا ولكن ما أعرِفُه هو أنني شَخْص مُشِع ومُتوَهِّج وأكثر تشبُّثًا بالحياة وأكثر رغبةً بأن أْخُذ نَصيبي منها كامِلًا غَيْر مَنْقُوص ؛ ما أُريد قَوْله هُو أنَّني أشعُر بكُل مُكتَئِب في هذا الوجود وأعلَم كَم هِيَ الحياة صعبة بالنسبةِ لكُم وأنكُم سَئِمْتُم تَكالِيف الحياة ومُتطلَّباتها ، ولكنِّي أُقسِم أنّ الحياة تستحق أنْ تُعاش وأنْ يُتشبَّث بها وأنْ يأخُذ الإنسان نَصِيبهُ منها كامِلًا وستَرى ذلك بِنَفسك بعد تَماثُلك للشِّفاء وزَوَال الكَرب الَّذي تَمُر فيه.
لأنّ النهايات أخلاق، ولأن مُعظَم العلاقات لها نهاية، والعلاقات التي تدوم معنا حتى آخر العمر قليلة ومعدودة؛ فلا تُؤلمني الخدعة إنّما يُؤلمني الإحساس بالإستغفال ولا يكسرني اكتشاف أن الوجهة كانت خاطئة بل يكسرني الوقت الذي أمضيته سائراً في طريقٍ كُنت أظنه صحيحاً ولا تُبكيني الخيبة بل تُبكيني الثقة العمياء التي منحتها لمن لا يستحق .
ومَن يَخدَع إنسَانًا ،
‏ يُلَاحِقُه العَار حَتَّى بَعدَ مَوتِه
فلا تُدخل لدائرة معارفك مَن لا يكون مأمون الجانب، لا تُدخل لدائرة معارفك من تراهُ يفجُر في الخصومة ولو كان فجوره مع غيرك، لا تُدخل لدائرة معارفك مَن تسُوء أخلاقه في النهايات.
وإن كنت تظن أن ظالمك سعيدًا فأنت تسيء الظن بالله
ليس شرطا أن ترى عقوبته بعينك
قد يعاقبه الله بأشد من الشلل والعلل
قد يعاقبه بالتعاسة بالخوف بفقدان ما يحب بإنعدام إحساسه بالنعم، بنفور أحبابه منه، بحرمانه الراحة. إطمئن
هي سلسلة عقوبات إلهيه تبدأ في الدنيا وبقيتها في الآخرة
كلُّ أمرٍ قاسٍ مررتُ به جعلني أكثرَ رِقَّةً؛
‏فالجُرح النبيل داخلي يخشى على مَن حوله أن يُجرَحوا هم أيضًا.
‏هكذا تعلَّمت أنَّ الكريمَ إذا تألَّم، أشفقَ
‏وإذا مُنِعَ، مَنَح
‏وإذا ارتجفَ، أمَّن خوفَ غيرِه
‏هكذا هذَّبتني الحياةُ بالآلامِ والخيباتِ لكيلا أكونَ سببًا في الآلامِ والخيباتِ.
فى فرق بين الترميم ولملمة الشتات:
‏فالأول: جبر ما انكسر، وتجديد ما اهترأ من أجزائك، بمجرد ارتشاف جرعة سعادة.
‏والثاني: جمع أجزائك المتناثرة، ومن ثم تعود للأول لتجبر الكل بحسن الظن بالله والتفاؤل والإيجابية
‏نَصيحة مِن مُحبٍ لك ومِن شخص يشعر بكُل ما تشعر بِه : اجعل هدفك في هذا الدنيا هُو التَّشافي ولا شَيء غيْر التَّشافي ؛ افعل ما يجعلك تَتشافَى واقْرأ ما يجعلك تتشافَى واكْتُب ما يجعلك تتشَافَى وقُل ما يجعلك تتشافَى وكُلْ الأطعِمة التي تجعلك تتشافَى واحرص على صِحة جَسَدك لأنّ فيها التَّشافي .. هى دنيا واحد مِن أعوَام عمرك العديدة والمَديدة تُخصِّصهُ للتَّشافي لِتكُون الأعوام التي تَلِيه كُلها بَهجة وسعادة ونُضجًا وتَصالُحًا تامًا مع الحياة . دنيا واحد ولا تَنْظُر لحالِك ولا تُقيِّم نفسك إلا بعد ذلك بعام حتى لو تخلَّلهُ سُقوط وعدم الْتِزام لا تُحاسب نفسك ولا تحكُم عليْها بالفَشَل إلا بعد انْقضاء عام ؛ أَثِق أنّك ستَجِد من النتائج ما يَسرُّك وما يجعلك فَخُورًا بنفسك وبِما فعلْت ، ثُمَّ مِن هُنا تَكُون البِداية .

أحيانًا يضعك الله في مكان لا يعجبك ليس لتهرب ، بل لتتعلم كيف تتعايش وتُغيّر شيئًا في حياتك ، ولتتعلم كيف تضحك رغم النقص الموجود في حياتك ، لتتعلم الرضا وأحيانًا المقاومة ، فالأشياء غير المكتملة تُغيّرك وتُعلّمك الكثير ، وربما تكون جسر عبور يُؤلمك ولكنه يوصلك إلى ما تريد .

مقالات ذات صلة