تمشي لوحدك في شارع ضيّق، الضوضاء ورا ضهرك لكن اللي قدامك صمت غريب. الأرصفة متكدّسة بوجوه ما بترفش؛ كأن في جُمجمة على كل لبنة مكتوب عليها: “مش هتوصل”. مش بتخاف من الوحدة ولا من الموت بنفس القدر اللي بتخافه من إنك ما تشعرش بلحظة سعادة حقيقية واحدة — مش كفاية تكون مع حد، ولا معناه إنك هتضحك أو تهدا قلبك.
أصلًا إحنا بنغلط لما نفكر إن الوجود مع حد هو الضمانة للسعادة. الناس بتاخد غيرها كمرآة، وبتحسب إنّ لو انعكسوا في مراية شخص تالت يبقى خلاص الدنيا تمام. لكن الحقيقة إن في مرايا كتير مكسورة، والصورة اللي بتطلعلك منهم مش أنت؛ هيّ صورة مشوهة من آمالهم وتوقّعاتهم ومخاوفهم.
إحنا محتاجين نعرف إن السعادة لحظة، مش عنوان. ممكن تبقى لحظة صغيرة وانت قاعد على رصيف بتشم نسمة هوا بعد يوم طويل، أو لمّا تسمع أغنية توقّف قلبك لثواني، أو ضحكة طفلة صدفة تخش في الزحمة. وده اللي بتحاول تحرزه: تكون مع حد مش علشان يملّيك؛ لكن علشان يحسن المشي جنبك لمدة معينة — حتى لو على أنقاض أحلامكم.
اللقاء العابر دا له طعم تاني. مبقاش لازم يبقى فشل أو خسارة لو ما دمش. بالعكس، بعض اللقاءات بتيجي وتعدّي وتسيب أثر رقيق، زي وشم مؤقت على قلبك. ممكن يذكّرك بإنك قادر تحب، أو يعلّمك إزاي تقف على رجلك تاني لما الدنيا تكسر فيك. وده أهم بكتير من رِواية علاقة طويلة فشلت.
طب إزاي نخلي اللقاء العابر مفيد مش مؤلم؟ هنا شوية حاجات بسيطة من القلب:
1. اعترف بالحقيقة — صدق إنك ممكن تكون خايف، واطلع الخوف للسطح. لما تعترف لنفسك، بتقلل قوته عليك.
2. ابحث عن لحظات صادقة — مش لازم كل الكلام يبقى عميق، لكن خليك صادق. اللحظة اللي تكون فيها صادق بتخلي أي لقاء له وزن.
3. حدود بسيطة تحميك — اللقاء العابر محتاج حدود، ودي مش ضعف؛ دي احترام لنفسك. قرر أنت عايز إيه وإمتى تبتعد.
4. لا تحط السعادة على شخص واحد — وزّع شغلك على حاجات تانية: هواية، صحبة، قراءة، مشوار بسيط الصبح. السعادة لمنظومة مش لشخص واحد.
5. تعلم من الألم — لو حصل وجع، اسأل نفسك: إيه اللي اتعلمته؟ عشان المرة الجاية تعرف تختار أحسن أو تحط حدود أو تبص لنفسك بعين أحن.
أحيانًا بنبص للقاء العابر كأنه امتحان فاشل. لكن هو مش امتحان؛ هو درس. ممكن يكون درس في الصدق، في التعلّق، في الحرية. وحرية إنك تمشي جنب حد وفي نفس الوقت تحافظ على حقك في الفرح. ممكن تمشيوا مع بعض فوق أنقاض أحلامكم وتضحكوا — اسمعني — ضحكة بسيطة وسط الركام، ليها طعم نادر، طعم إنك اخترت تبقى موجود بالرغم من الكسر.
في الآخر، مش كل اللي بيعدينا بيخلّف أثر وحِداد. بعض الناس بيمرّوا زي غيمة صيف — يمطروا لحظات وينقشعوا. وبعضهم بيبقى نار بتحرق وتسيب أثر لمدة طويلة. المهم إنك تتعلّم تفرّق بينهم. الناس اللي بتيجي عشان تخطف فرحة أو تقلل ألم مؤقت — استمتع، لكن خليك واعي. الناس اللي بتيجي وتغتالك من ضُهر قلبك — احمي نفسك.
لو سألني حد: “إزاي أعيش سعادة حقيقية؟” هاقول له: ابدأ من جواك. اعرف نفسك كويس؛ اعرف إيه اللي يخليك تضحك بصراحة من غير تمثيل. لما تبقى عارف نفسك، روابطك هتبقى أوضح — هتعرف تكوّن علاقات بتغذيك بدل ما تصدّعك.
وأخيرًا، لو تمشّيت فوق أنقاض الأحلام مع حد — اعرف إنك منتصر لو ضحكت وصحيت الصبح بعد اللقاء وتذكرت إنك تقدر تعيش تاني. السعادة مش هدف نهائي، هي لحظة بتتجدد. اجمع لحظات صغيرة، واحفظها جنب قلبك كأنها شمعة. يمكن تمشي لوحدك كتير، لكن الشمعة دي هتدفيك في عز البرد.