تَحت تَخديرِ الحنينِ

تَحت تَخديرِ الحنينِ
بقلم… هدى عبده
أعُدتُ خُطايَ للمَقهَى الذي شهِدَ الهوَى
فتكسَّرت في خافقي ذكرَى السِّنينِ
أمشي، وفي عَينيَّ ألفُ حكايةٍ
تَتلُو على جُدرانهِ سِفرَ الأنينِ
ألقيتُ نَظري في الزّوايَا لعَّلني
ألقَى بقايا خُطوةٍ… أو ياسمينِ
وهرولتِ الرّوحُ المعلَّقةُ التي
ما زال يَسكنُهَا صدَى ذاكَ الحنينِ
نحوَ المقاعدِ… حيثُ آخرُ مَوعدٍ
كان الوداعُ بهِ أميرَ الحاضرينِ
حتى إِذا اقتربت… أفاق وعيُها
وتراجعت خجلَى كطفلٍ مُستكينِ
قالت لنفسهَا:
مهلًا… أيا قلبي، أما تعلمينَ؟
إِن الذي ترجينَ ليس بهَا هُنا،
إِن الذي تَهوينَ… صارَ منَ الدفينِ.
وجلستُ أرقب من بعيدٍ صُورَ المساءِ،
فكأنّهُ… ما غابَ عني طرف عينِ
ها هو يَبتسمُ البساطةَ كلها،
ويدير فنجانَ القهوةِ البُنّيَّ لينِ
والعينُ تُكملُ ما تعذّرَ نُطقُهُ،
فالعينُ أفصحُ من جميعِ المعرِبينِ
حتى أتى صَوتُ النديلِ مُبعثرًا
ذاك الخيالَ العذب بَينَ الساكنينِ
قال: اعذُرينَا… قد مَضى نِصفُ الدّجى،
والمقهَى أغلقَ بابَهُ للزائرينِ.
فنظَرتُ… لم ألقَ الوجوهَ جميعهَا،
إِلا الفراغَ… ووحدةَ المُنتظرينِ
لا شيءَ إِلا الصمتُ يَشربُ قهوتِي،
وجرسُ ذكراكَ العتيقُ بِمُقلتي يرنُّ.
أدركتُ أن الوقتَ لم يكُنِ الذي
قاسَيتُهُ… بل كان يُدفنُ في سُكُونِي
فالحنينُ لَيسَ دَمعةً عَابرةً،
بل مُخدّرٌ يَسرقُ الأعمارَ في ليِّنِ
يُغفي العُقولَ، ويستبيحُ سواعةً،
فإِذا هي الأعوام مرّت كالظّنُونِ
له عالمٌ لا تَستقيمُ بهِ المُدى،
فالعُمرُ فيهِ يُقاسُ بِالذّكرَى… لا السّنينِ
إِن دَخلَ القلبُ المعلّقُ بابهُ،
عاد الزّمانُ غَريبَ وجهٍ… مُستكينِ
ونظنّ أنّا غِبنَا لحظةَ خاطرٍ،
فإِذا الحياةُ تهرُّ من بينِ اليدَينِ
ما أقسى الْحنينَ… إِذَا تنكّرَ في الهوَى،
وما أرقّهُ… إِذا تجلَّى كاليقينِ.
د.هدى عبده 🖋



