“تَقَالِيدٌ رَاسِخَةٌ و أَفْكَارٌ جَاهِزَةٌ “بِقَلَمِ فَاطِمَة اسْكِيف

“تَقَالِيدٌ رَاسِخَةٌ و أَفْكَارٌ جَاهِزَةٌ “
بِقَلَمِ فَاطِمَة اسْكِيف
وَمَا بَيْنَ التَّقَالِيدِ الرَّاسِخَةِ وَالأَفْكَارِ الجَاهِزَةِ الَّتِي وَرِثْنَاهَا عَبْرَ الأَجْيَالِ، تَجِدُنَا أَحْيَانًا نَبْتَعِدُ عَنْ جَوْهَرِ أَنْفُسِنَا.
فَنَنْسَى أَنَّ العَقْلَ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُنَا، وَهُوَ الَّذِي يُحَرِّرُنَا مِنْ قُيُودِ الجَهْلِ وَالرُّكُودِ، وَلَكِنْ، مَا الَّذِي حَدَثَ لَنَا؟
كَيْفَ أَصْبَحْنَا نَعِيشُ فِي فَقْرٍ لَيْسَ فَقَطْ مَادِّيًّا، بَلْ فِكْرِيًّا وَرُوحِيًّا؟
وَالإِجَابَةُ قَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ بَسَاطَةً مِمَّا نَتَخَيَّلُ وَهِيَ بُعْدُنَا عَنْ عُقُولِنَا ، بُعْدُنَا عَنِ الَتَّفَكُّرِ بِقَاْنُوْنِ الله …
فَالفَقْرُ، فِي حَقِيقَتِهِ، لَيْسَ فَقْطْ قِلَّةَ المَالِ، بَلْ هُنَاكَ أَنْوَاعٌ أُخْرَى مِنَ الفَقْرِ مِثْلَ فَقْرِ الفِكْرِ، فَقْرِ الرُّؤْيَةِ، وَفَقْرِ الحَيَاةِ.
فَنَعِيشُ فِي مُجْتَمَعَاتٍ تَنْغَمِسُ فِي التَّقْلِيدِ الْأَعْمَىْ ، وَفِي السَّيْرِ خَلْفَ القَطِيعِ دُونَ التَّوَقُّفِ لِسُؤَالِ “لِمَاذَا؟”
وَعِندَمَا نَتَوَقَّفُ، فَإِنَّنَا نَرَىْ أَجْوِبَةً جَاهِزَةً ، و لَا نَجْرُؤُ عَلَى التَّفْكِيرِ بِأَنْفُسِنَا.
إِنَّنَا يَا سَادَةُ نَبْتَعِدُ عَنْ اسْتِخْدَامِ عُقُولِنَا، وَنَسْتَسْلِمُ لِلنَّمَاذِجِ الجَاهِزَةِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ قَدْ أَوْصَلَتْنَا إِلَى مَكَانِنَا الحَالِي.
فِي هَذَا العَالَمِ، لَا يَكَادُ يَوْجَدُ فَقْرٌ أَعْمَقُ مِنْ أَنْ نَعِيشَ بِلا تَفْكِيرٍ نَقْدِيٍّ.
فَعَقْلُنَا، الَّذِي وَهَبَنَا اللهُ إِيَّاهُ، أَصْبَحَ غَيْرَ مُفَعَّلٍ!
أَوْقَفْنَاهُ وَرَاءَ سِتَارٍ مِنَ الخَوْفِ، مِنَ الرَّاحَةِ المُزَيَّفَةِ، وَمِنَ التَّقَالِيدِ الَّتِي تَحْكُمُنَا أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِهَا تَرْفَعُنَا.
فَنَعِيشُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ، نَتَّبِعُ مَا يَتَّبِعُونَهُ دُونَ أَنْ نَعْرِفَ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ الطَّرِيقِ هُوَ الأَنْسَبُ لَنَا أَمْ لَا.
وَمَعَ مُرُورِ الوَقْتِ، تَكُونُ الجُدْرَانُ النَّفْسِيَّةُ حَوْلَنَا تَتَسَلَّقُ لِتُصْبِحَ حَيَاتُنَا مُجَرَّدَ سِلْسِلَةٍ مِنَ التَّكْرَارِ، إِلَى أَنْ نَنْسَى أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ فِي البِدَايَةِ عَقْلٌ يَتَوَقُّ إِلَى التَّحَرُّرِ، إِلَى الإِبْدَاعِ، إِلَى التَّفَوُّقِ…
وَتَظَلُّ الأَسْئِلَةُ الَّتِي كَانَتْ يَوْمًا مَا جُزْءًا مِنْ رُوحِنَا:
“مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نُحَقِّقَ؟
مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَكُونَ؟
كَيْفَ نَعُودُ إِلَى الحَيَاةِ الَّتِي خَلَقَنَاْ اللهُ لِنَحْيَاهَاْ وَ نَسْتَحِقُّهَا ؟”
الجَوَابُ هُنَا لَيْسَ فِي الهُرُوبِ مِنَ الوَاقِعِ، بَلْ فِي مُوَاجَهَةِ أَفْكَارِنَا الخَاصَّةِ… فِي أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَكُونُ فُضُولِيِّينَ مِنْ جَدِيدٍ، كَيْفَ نَسْأَلُ وَنَبْحَثُ وَنَشُكُّ وَنُحَلِّلُ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا رُوِيَ فِي المَاضِي هُوَ الحَقِيقَةُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا نَرَاهُ هُوَ الوَاقِعُ ..
وَالفَقْرُ العَقْلِيُّ يَبْدَأُ عِندَمَا نَتَوَقَّفُ عَنْ اسْتِكْشَافِ أَنْفُسِنَا وَالعَالَمِ مِنْ حَوْلِنَا. صَدِّقُونِي، العَقْلُ لَيْسَ فَقَطْ أَدَاةً لِلْفَهْمِ، بَلْ هُوَ المِفْتَاحُ لِلتَّغْيِيرِ.
وَفِي النِّهَايَةِ، الفَقْرُ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَالَةٍ مَادِّيَّةٍ نَعِيشُهَا، بَلْ هُوَ حَالَةٌ نَفْسِيَّةٌ وَفِكْرِيَّةٌ، حَالَةٌ تُعَبِّرُ عَنْ غِيَابِ الإِرَادَةِ فِي اسْتِخْدَامِ أَعْظَمِ هِبَةً مَنَحَنَا اللهُ إِيَّاهَا: العَقْلُ.
وَإِذَا أَرَدْنَا النَّهُوضَ، يَجِبُ أَنْ نَبْدَأَ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ عُقُولِنَا الَّتِي أَصْبَحَتْ مُهَمَّشَةً، فَكُلَّمَا عُدْنَا إِلَى عُقُولِنَا، عُدْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا، وَأَصْبَحْنَا قَادِرِينَ عَلَى تَغْيِيرِ وَاقِعِنَا بِشَكْلٍ حَقِيقِيٍّ.



