المقالات والسياسه والادب

حسام حسن موهبة حاربت نفسها!

بقلم: محمود جاب الله

في كل جيل، تمنح كرة القدم موهبة استثنائية لا تتكرر. وفي جيلنا، كانت هذه الموهبة هي حسام حسن. لاعب لم يعرف المستحيل، ومهاجم لم يعرف الخوف، وقائد لم يعرف التراجع. كانت أرقامه تتحدث عنه قبل أن يتحدث هو، وكان حضوره في الملعب وحده كافيا ليمنح زملاءه الثقة، ويزرع الرعب في قلوب منافسيه.

ومع ذلك، فإن قصة حسام حسن لم تكن قصة موهبة انتصرت، بل قصة موهبة حاربت نفسها طويلا، حتى أنهكتها الحرب.

إن المتأمل في مسيرة حسام حسن، لاعبا ومدربا، يدرك حقيقة مؤلمة. الرجل لم يكن يحتاج إلى من يحاربه. لقد كان يكفي أن يُترك لنفسه، ليفعل بها ما لم يستطع ألد أعدائه أن يفعلوه. ففي الوقت الذي كان يجب أن يكون فيه تركيزه منصبا على الملعب فقط، كان يوزع طاقته على معارك لا تنتهي. معركة مع الإعلام، ومعركة مع الأندية، ومعركة مع بعض اللاعبين، ومعركة مع كل صوت يختلف معه.

والمعارك الجانبية، كما يعلم كل من عرف معنى النجاح، هي أخطر ما يواجه الإنسان. فهي لا تسقطه دفعة واحدة، بل تستنزفه يوما بعد يوم. تأخذ من وقته، وتشوش على تفكيره، وتجعله يخسر تعاطف من كانوا يدافعون عنه. وهذا بالضبط ما حدث مع حسام حسن.

لقد كان يملك كل مقومات المدرب الكبير. الكاريزما التي تجعل اللاعبين يقاتلون من أجله، والخبرة التي تجعله يقرأ المباراة، والروح التي تجعله لا يقبل بالهزيمة. لكن المدرب الكبير لا يُقاس فقط بما يعرفه عن كرة القدم، بل بما يعرفه عن نفسه. بالقدرة على ضبط النفس، وعلى الصمت حين يكون الصمت أبلغ من الكلام، وعلى تجاهل الصغائر من أجل الهدف الأكبر.

لقد كان حسن شحاتة والجوهري، وهما من أعظم من دربوا المنتخب المصري، مثالا على ذلك. لم يكونا الأعلى صوتا، بل كانا الأهدأ عقلا. كانا يعرفان أن المباراة الحقيقية تُلعب في التسعين دقيقة، لا في المؤتمرات الصحفية، ولا في البرامج التليفزيونية، ولا في صفحات الجرائد. وكان هذا الهدوء هو سر نجاحهما واستمرارهما.

أما حسام حسن، فقد كان يخوض مباراة أخرى كل يوم، خارج الملعب. مباراة لا يوجد فيها فائز. فكل تصريح غاضب كان يمنح خصومه فرصة جديدة، وكل خلاف معلن كان يخصم من رصيده لدى الجماهير، وكل معركة جانبية كانت تبعده خطوة عن هدفه الأساسي: بناء منتخب قوي يليق باسم مصر.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس: هل كان حسام حسن موهوبا؟ فالإجابة معروفة للجميع. السؤال هو: ماذا لو كان حسام حسن قد حارب خصومه في الملعب فقط؟ ماذا لو كان قد وفر طاقته للعمل، وترك الجدل جانبا؟ ألم يكن ليصبح اليوم مدربا عظيما بقدر ما كان لاعبا عظيما؟

إن الدرس الذي تقدمه قصة حسام حسن يتجاوز حدود كرة القدم. إنه درس لكل موهبة مصرية شابة، في أي مجال. الموهبة وحدها لا تكفي. الموهبة توصلك إلى القمة، لكن الحكمة هي التي تبقيك فيها. ومن لا يستطيع أن ينتصر على نفسه، لن يستطيع أن ينتصر على غيره مهما طال الزمن.

لقد كانت موهبة عظيمة، لكنها حاربت نفسها. ولو انتصرت على نفسها، لانتصرت مصر كلها معها.

مقالات ذات صلة