المقالات والسياسه والادب

حين تهون الأكباد في سبيل الأوهام

حين تهون الأكباد في سبيل الأوهام

​بقلم: د. ذكاء رشيد

​في عالم العلاقات الإنسانية، ثمة عهود تُكتب بمداد الروح، وأخرى تُنقش على “ألواح الجليد”؛ وما إن تشرق شمس الحقيقة في “نيسان” الاختبارات القاسية، حتى تذوب تلك الوعود وتتحول إلى سراب يغرق فيه أصحابه. لكن الصدمة الحقيقية لا تأتي من رحيل شريك، بل من “خيانة الفطرة” التي تتجاوز حدود العاطفة لتضرب عمق الإنسانية.

​سيكولوجية التخلي: هل يبني الزيف مقاماً؟

​إن ظاهرة بحث البعض عن “مقام آخر” أو شغف بديل على أنقاض بيوت قائمة، ليست مجرد اختيار شخصي، بل هي انكسار أخلاقي يسقط فيه “حجر الزاوية”. حين تقرر امرأة -أو رجل- هجر “فلذات الأكباد” والبحث عن ذاتها في أحضان غريبة، فهي لا تبحث عن حرية، بل تعبث في “ميدان” لم يعد ملكها، وتحاول بناء صرح من “الورق اليابس” الذي تذروه رياح الخريف عند أول هبة ريح.

​المعادلة الصفرية: من هان عليه أصله.. هان عليه كله

​القاعدة في فلسفة الوفاء بسيطة وقاسية: “من هانت في عينها الأكباد، لا يمكن أن يكون لغيرها غالياً”. فالأمومة ليست مجرد لقب، بل هي الميثاق الغليظ الذي إذا انفرطت حباته، انفرطت معه سبحة الأخلاق كاملة. كيف لمن استرخصت دموع صغارها أن تثمن وعود غريب؟ وكيف لمقامٍ بُني على “أنقاض براءة طفل” أن يرتفع ويشمخ؟ إنها عملية “استبدال خاسرة”، حيث يُباع الثمين (الأبناء والوفاء) مقابل الرخيص (السراب والوهم).

​عزة النفس في مواجهة الانحدار

​في المقابل، يبرز موقف “الطرف الصامد” الذي يُشار إليه بالبنان؛ ليس فقط لقوته، بل لترُّفعه عن الانحدار إلى قاع الوعود الزائفة. إن إعلان الاستغناء في هذه المواقف ليس حقداً، بل هو إعادة ترسيم للحدود. فالميدان الطاهر لا يقبل “العيث”، والبناء المتين لا يحتاج لـ “حجر” نخرته الأنانية.

​الخسارة المزدوجة

​لا يربح الراحلون حين يتركون خلفهم قلوباً كسيرة وأطفالاً يتامى بوجود آبائهم. إنهم يخرجون من ميثاق الشرف بـ “وعود يُبس”، ليدركوا متأخرين أنهم ما نجووا، بل صار الوهم هو “محتسبهم” الوحيد. فالحياة لا تمنح مقاماً رفيعاً لمن داس على بساتين براءته ليركض خلف سراب الخداع.

​كلمة أخيرة: صرخة في وادِ التخلي

​إنَّ العبث بالمواثيق الفطرية ليس مجرد “نزوة عابرة” أو “بحث عن الذات” كما يروج البعض لتبرير السقوط، بل هو انتحار معنوي يُسقط القناع عن وجوه لم تكن يوماً أهلاً للأمانة.

​ليعلم كل من استبدل “الأكباد” بالأوهام، وباع “الوفاء” في سوق الزيف، أنَّ المقام الذي يُبنى على أنقاض الدموع هو “قبرٌ” لكرامة صاحبه قبل أن يكون سكناً له. التاريخ لا يرحم، والذاكرة لا تغفر لمن ترك صغاره يتجرعون مرارة الخذلان ليبحث عن سراب حبٍّ مزعوم.

​لقد مضى زمن “الجليد”، وذاب الزيف في شمس الحقيقة، ولم يبقَ في الميدان إلا أصحاب الجباه العالية، والقلوب التي لم تعرف يوماً معنى الخيانة. أما الراحلون خلف أطماعهم، فليذهبوا حيث شاؤوا، لكن ليعلموا يقيناً: أنَّ من استرخص دمه.. لن يجد في الأرض مَقاماً يُعزّه، ولن يجد في وجوه البشر إلا ملامح الخيبة والندم. انتهى البيان.. وبقي البنيان شامخاً بمن صان

مقالات ذات صلة