المقالات والسياسه والادب

حين يُصبح البيت طاردًا.. مأساة بسملة التي فضحت قسوة القلوب قبل قسوة الظروف

حين يُصبح البيت طاردًا.. مأساة بسملة التي فضحت قسوة القلوب قبل قسوة الظروف

بقلم: محمود سعيد برغش

ليست “بسملة” مجرد اسم لفتاة في مرحلة الثانوية العامة، بل أصبحت قصة كاشفة، ومشهدًا موجعًا من مشاهد الواقع الذي كثيرًا ما يُخفى خلف أبواب مغلقة، حتى يصرخ أحدهم فينكشف ما كان مستورًا.

في فيديو قصير، ظهرت بسملة تبكي، تروي مأساتها، بعد أن طُردت من منزل جدها، المنزل الذي لجأت إليه بعد انفصال والديها، لكنها وجدت فيه قسوة تُضاف إلى ألم الفقد.

قالت: “والدي بيقولي مش عايزك عشان بتحبي والدتك.. وجدي بيعاملني وحش.. وضربوني عشان مروحش الدروس.. نجحت، لكن مجموعي مش عاجبهم، فطردوني”.

صرخة بسملة لم تكن مجرد حزن مراهقة، بل كانت نداء استغاثة من قلب مكسور.

بيت بلا أمان.. وقلب بلا سند

كان من المفترض أن تكون هذه الأيام احتفالًا لها، بنهاية مشوار دراسي شاق، لكنها تحوّلت إلى لحظات من الذل والطرد والانكسار.

وكأن التفوق مطلوب بأي ثمن، حتى لو جاء على جثة نفس مدمّرة.

أصبح الحب مشروطًا، والقبول مرهونًا بدرجات، وكأن المشاعر لا تُمنح إلا مقابل علامات في كشوف التنسيق.

التفكك الأسري.. حين يتحوّل الطفل إلى ساحة صراع

قصة بسملة تعرّي حقيقة مريرة: الطلاق ليس هو الجريمة، بل ما يأتي بعده من انتقام عاطفي وعقابي ضد الأبناء.

بعض الآباء والأمهات لا يرون في أطفالهم سوى أدوات لتصفية الحسابات، أو أوراق ضغط، أو تذكير بالماضي الذي يريدون محوه.

وهنا يسقط الطفل – أو المراهق – بين فكي كماشة: عدم القبول من طرف، والإهمال من الطرف الآخر، فيكبر الخوف، ويتآكل الأمان، ويُطرد الحلم قبل أن يُولد.

من يسمع هذا النداء؟

إن صحت أقوال الفتاة، فنحن أمام جريمة إنسانية ونفسية تستدعي تدخلاً عاجلاً، ليس فقط من وزارة التضامن والمجلس القومي للطفولة، بل من المجتمع بأكمله.

نحن بحاجة إلى منظومة تحمي الطفل من أسرته إذا تحوّلت إلى خطر، وإلى قوانين تُعيد ترتيب أولويات الحماية، بحيث لا يكون الأذى داخل البيت أمرًا “عائليًا” لا دخل لأحد به.

الأبوة ليست سلطة.. بل مسؤولية

البيت ليس جدرانًا، بل حضن. والأبوة ليست أوامر، بل احتواء.

الذين ينجبون فقط، دون رحمة أو حوار أو تفهم، لا يصنعون أسرًا، بل يُلقون بأرواح هشة في مهب العواصف.

بسملة ليست وحدها، بل هي عنوان لحالات كثيرة لا تملك الهاتف لتُصوّر، ولا الجرأة لتصرخ.

فلنصغِ لصوتها، لا لنبكي فقط، بل لنتغيّر.

ما حدث مع بسملة ليس مجرد حادثة، بل صفعة على وجه مجتمع يُهمّش الأوجاع الخافتة.

هي لا تحتاج فقط إلى مأوى، بل إلى عدالة تُعيد إليها ثقتها في البشر، وفي أن الحياة قد تكون أحنّ مما كانت عليه في بيتها.

مقالات ذات صلة