المقالات والسياسه والادب

حين يُمتحن الإنسان بالسلطة ويسقط الأصل

الكرسي كمرآة أخلاقية تفضح الجوهر حين تُرفع الأقنعة

حين يُمتحن الإنسان بالسلطة ويسقط الأصل

الكرسي كمرآة أخلاقية تفضح الجوهر حين تُرفع الأقنعة

بقلم مستشار محمود السنكري

 

الكرسي يكشف النفوس ولا يصنعها ويفضح قليل الأصل ولا يمنحه قيمة ، ليست المناصب امتحان قوة بل امتحان أصل فالكرسي لا يمنح الإنسان جوهرًا جديدًا بل يستدعي ما كان كامِنًا فيه منذ البداية من جلس عليه بأخلاقه ارتقى ومن جلس عليه بنقصه انكشف مهما ثقل اللقب أو طال الظل فالسلطة لا تغيّر النفوس بل تعريها وتضعها أمام ذاتها بلا ستار.

 

ومن يظن أن المنصب يرفع قدره إنما يعلن هشاشته القديمة ويكشف انتظاره الطويل للحظة يظهر فيها على حقيقته قليل الأصل لا يصل إلى الكرسي بل يُلقى عليه كما يُلقى حمل ثقيل على خشبة مهترئة فإذا انكسرت صرخ واتهم المنصب ولم يعترف يومًا بأن العيب فيه.

 

أول ما يفعله قليل الأصل حين يُمكّن من السلطة أن يستقوي يبحث عمّن كان فوقه ليقصيه وعمّن كان بجانبه ليهينه وعمّن كان تحته ليستفيد منه المنصب عنده ليس مسؤولية بل ثأر من ذاته من فقره المعنوي ومن شعوره القديم بالدونية يظن أن الانتصار على الناس تعويض عن فشله الذاتي ولا يدرك أن النفوس الكبيرة لا تحتاج إلى الكراسي لتظهر وأن الأصيل يظل أصيلًا حتى بلا وسيلة للهيمنة.

 

قليل الأصل لا يعرف الوفاء ولا يحفظ الجميل ولا يفهم أن القوة تكليف بل يراها غنيمة وأن المنصب أداة إذلال وأن اللقب ستارة يخفي تحتها قبحه القديم النفوس الحقيرة حين تُمنح السلطة لا تبني بل تنتقم من ضعفها فتفتح السلطة لتكشف نذالتها وتظهر الوجه الحقيقي للانحطاط.

 

أما النفوس الأصيلة فتزداد تواضعًا كلما ارتفعت وتتخذ من القوة اختبارًا أخلاقيًا وتقيس كل قرار بالوفاء والشرف والكرامة فالارتفاع ليس ترفًا بل امتحان للحفاظ على إنسانية الإنسان حين يُرفع فوق المحاسبة الكرسي لا يمنح الهيبة فالهيبة تُستدعى من الداخل ومن لا هيبة له في إنسانيته لن يصنعها قرار تعيين ولا لقب رنّان.

 

الأصل ليس نسبًا ولا لقبًا ولا إرثًا مكتوبًا على الجدران بل موقف عند القدرة وعدل حين لا رقيب ووفاء حين تُمنح القوة ومن لا أصل له يبدّل وجوهه كما يبدّل المقاعد يبتسم وهو يصعد ويقسو وهو يستقر وينسى كل يد امتدت إليه حين كان بلا ظل قليل الأصل يفشل في الامتحان الأخلاقي منذ البداية يخطئ فهم القوة ويستعملها لتبرير الجحود ويدفن القيم تحت أقدامه ثم يندهش حين يكتشف أن التاريخ لا يرحم وأن الفشل الأخلاقي لا يُنسى.

 

النفوس الحقيرة حين تُمنح السلطة تنتقم من نفسها من ضعفها القديم ومن هزالها المعنوي ومن كل لحظة شعرت فيها بالدونية فتستخدم المنصب كسلاح وتدهس القيم بلا رحمة أما النفوس الكبيرة فتختبرها السلطة فتثبت أن الأصل لا يُشترى ولا يُكتسب وأن العلو الحقيقي هو البقاء إنسانًا حين تغيب الرقابة وحين لا يحدك أحد عن استخدام القوة.

 

وحين يسقط الكرسي وكل الكراسي تسقط لا يبقى إلا الإنسان وسيرته وأصله فتُرى النفوس على حقيقتها الأصيل يظل أصيلًا والحقير يظل بلا أصل ويُفضحه التاريخ كل مرة فطوبى لمن لم تغيّره السلطة والعار كل العار لمن كشفته ولم يكن له أصل إن المنصب ليس سوى فرصة لاختبار الإنسان والكرسي ليس مكافأة بل مرآة من عرف قيمة نفسه قبل الكرسي ازداد علوًا بعده ومن لم يعرف قيمته انكشف وهبط سقوطًا أخلاقيًا لا يغسله ذهب ولا يخففه لقب ولا يبرره تاريخ.

 

في عالم الكراسي والمناصب يبقى السؤال الأبدي هل يُقاس الإنسان بما وصل إليه أم بما ظل عليه؟

مقالات ذات صلة