المقالات والسياسه والادب

خلصت سِحرِك واتحرّرت كتبت/د/ شيماء صبحي

خلصت سِحرِك واتحرّرت

أعترف وبكل راحة ضمير: أنا قربت أطلع من آخر النفق اللي اسمه نسيانِك. بقت وداني عادي تسمع اسمِك من حد معدّي من غير ما قلبي يتخبط في ضلوعي. بقت أفتح الصندوق القديم بتاع رسايلِك وأقرا السطور اللي كنت بستلفها من وجعي زمان، ومايحصلش غير ابتسامة باردة وكلمة: “يااه، كنت فين وعُدت فين!”.
أنا دلوقتي بقت شاطر في التفتيش جوّه ذاكرتي، بقلّب الصور زي أوراق شجر ناشفة، آخذ من كل ورقة نفس عميق وأكتب سطر جديد يحكي للناس إزاي غيابِك قتل فيّا حروف كتير، وأهو دلوقتي بكتب من رمادها، مش من نارها.
إنتِ كنتِ تعويذة.. وأنا كنت الضحية اللي مصدّق السحر. النهارده بطّلت التعويذة، واللي فاضل منِك جوايا مش حب، ده تقل.. حجر مرمي في أوضة من أوض القلب، وأنا كل يوم بكنّس الغبار من حواليه لحد ما أفتح الشباك وتنضف الأوضة وتتهوّى.
اتعلمت إن الوجع لو فضّل له باب، هيخشّ منه كل شوية ضيف اسمه “حنين”. قفلت الباب يا صاحبة الباب، ورميت المفتاح في بحر كنتي فاكرة إنك ملكاه. ماعدش فيكي سحر يغريّني، وماعدش فيا طفل بيجري على صوتك.
اتعلمت أقول: لأ.
لأ لذكريات نص نص.
لأ لوعود اتقالت على عتبة الليل وراحت مع أول نور.
لأ لنفسي لما تضعف وتدوّر على شبهك في وشوش الناس.
أنا بقيت أقوى، مش لأني نسيت، لأني افتكرت نفسي. افتكرت ضحكتي قبل ما تتحوّل لصدى، وافتكرت خطواتي قبل ما تتقل بسلاسل الأسئلة: “ليه؟ وإزاي؟ وفي الآخر على إيه؟”.
رجّعت كرامتي على الكتف اليمين، وعلّقت احترام ذاتي في رقّبتي، وبقيت أمشي مطمّن: اللي مش بيختارني وأنا بسطوعي، ماستاهلش أعرفه وأنا في عز ضبابي.
بقيت أعرف أفرّق بين الحب والتعلّق، بين الاهتمام الحقيقي وبين الاستعراض، بين اللي بيحضن خوفك واللي بيحضن صورته في مرايتك. بقيت أسمّي الأشياء بأسمائها: اللي واجعني كان غياب الصدق، مش غيابك. واللي كسّرني كان إهمالك، مش فراقك.
ومش هخبّي: فيه لحظات بتيجي ريحتك مع نسمة العشا، بس ماعدتش بتاخدني. بابتسم وأقول: “كان زمان”، وأكمّل.
دلوقتي لما بتسألني: “لسّه بتحبني؟”
بضحك وأرد: “لسّه بحب نفسي أكتر”.
ولما بتسأل ذاكرتي: “هو أنا كنت حلوة قوي كده؟”
ترد وتقول: “كنتي مشهد متصوّر بإضاءة ضعيفة.. بس اتعدلّت الإضاءة، واتضح كل تفصيلة”.
لو هسِيب لك حاجة قبل ما أقفل الباب، هسيب لك كلمة:
“شكرًا”.
شكرًا على الدرس، على الوجع اللي علّمني حدودي، على التعويذة اللي صحّتني وأنا بفكّها.
وشكرًا لنفسي، لأنها ما استسلمتش، وطلعت من الحفرة بإيدينها، واغسلت قلبها من بقايا التعلّق، وعلّمت نبضها يمشي على مزيكا جديدة.
أنا مشيت..
مشيت وخطّي ثابت، وصوتي راجع، وروحي نضيفة من أسماء مالهاش مكان.
لو صادفت اسمك تاني، هيعدّي زي اسم محطة أنا مبقفتش فيها من زمن.
ولو حد حكى عنك، هاهزّ راسي وابتسم:

“ربنا يسهّلها له ومعاه.. أمّا أنا فخلاص، خلصت سِحرِك واتحرّرت”.

مقالات ذات صلة