المقالات والسياسه والادب

خَلْفَ الْبَابِ٥

‏بقلم الكاتبة إيمان نجار صوت الأرض

‏الشَّخْصِيَّات:
‏الرَّاوِي
‏الْأَبُ
‏الْفَتَاةُ

خَلْفَ الْبَابِ(٥)

‏الرَّاوِي (بِصَوْتٍ هَادِئٍ ثَقِيل)
‏لَمْ يَكُنِ الْبَابُ مُغْلَقًا… كَانَ مُحْكَمَ الإِغْلَاقِ.
‏وَلَمْ تَكُنِ الْغُرْفَةُ ضَيِّقَةً… كَانَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا مُنْكَمِشَةً فِيهَا.
‏هُنَا، كَانَ الْوَقْتُ يَتَوَقَّفُ… وَالْخَوْفُ يَتَنَفَّسُ.
‏وَهُنَا… كَانَتِ ابْنَتُهُ تَتَعَلَّمُ كُلَّ يَوْمٍ أَنَّ الصُّرَاخَ لَا يُنْقِذُ.
‏الْأَبُ (بِصَوْتٍ بَارِدٍ قَاطِع):
‏لِمَاذَا تَقِفِينَ هُنَاكِ؟
‏تَعَالَيْ.
‏أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: لَا تَجْعَلِينِي أُكَرِّرُ كَلَامِي؟
‏الْفَتَاةُ (بِرُعْبٍ مُتَقَطِّع):
‏أَنَا… أَنَا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا… أَقْسِمُ… أَنَا كُنْتُ هَادِئَةً…
‏لَا تَغْضَبْ… أَرْجُوكَ… لَا تَغْضَبْ…
‏الْأَبُ (يَضْحَكُ ضَحْكَةً خَافِتَةً مُرِيبَة):
‏أَغْضَبُ؟
‏أَنَا لَا أَغْضَبُ… أَنَا أُرَبِّي.
‏وَالتَّرْبِيَةُ… تَحْتَاجُ يَدًا قَوِيَّةً.
‏الرَّاوِي:
‏كَانَ يَقُولُ “أُرَبِّي”…
‏وَكَانَتِ الْكَلِمَةُ تَسْقُطُ عَلَيْهَا كَحَجَرٍ.
‏الْفَتَاةُ (تَرْتَجِفُ):
‏أَنَا… أَنَا بِنْتُكَ… لَا تَفْعَلْ… أَرْجُوكَ…
‏خُذْ أَيَّ شَيْءٍ… اضْرِبْنِي… احْبِسْنِي… وَلَكِنْ… لَا…
‏(تَتَوَقَّفُ، يَخُونُهَا صَوْتُهَا)
‏الْأَبُ (بِهُدُوءٍ مُرْعِب):
‏دَائِمًا تَقِفِينَ عِنْدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ.
‏وَدَائِمًا… تَتْرُكِينَهَا نَاقِصَةً.
‏لِمَاذَا؟
‏أَلِأَنَّكِ تَعْرِفِينَ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَكِ؟
‏الرَّاوِي:
‏هُنَا، لَمْ يَعُدِ الْخَوْفُ يَسْكُنُ فِي الزَّاوِيَةِ…
‏هُنَا، كَانَ يَجْلِسُ فِي صَوْتِهِ.
‏الْفَتَاةُ (بِانْكِسَار):
‏أَرْجُوكَ… دَعْنِي… أَنَا أَتَأَلَّمُ… أَنَا تَعِبْتُ…
‏كُلَّ مَرَّةٍ… أَشْعُرُ أَنِّي أَخْتَفِي…
‏أَنِّي لَمْ أَعُدْ هُنَا…
‏الْأَبُ (بِبُرُودٍ مَرِيض):
‏تَخْتَفِينَ؟
‏أَنْتِ لَا تَخْتَفِينَ… أَنْتِ تَعُودِينَ إِلَيَّ.
‏وَأَنَا… لَا أُحِبُّ أَنْ يُشَارِكَنِي أَحَدٌ فِيمَا هُوَ لِي.
‏الرَّاوِي (بِصَوْتٍ أَثْقَل):
‏قَالَهَا بِبَسَاطَةٍ…
‏كَمَنْ يَتَحَدَّثُ عَنْ شَيْءٍ يَمْلِكُهُ.
‏الْفَتَاةُ (تَبْكِي بِصَمْت):
‏لَا… لَا… لَيْسَ مَرَّةً أُخْرَى…
‏أَنَا أَخَافُ… أَنَا أَكْرَهُ هَذَا… أَكْرَهُ نَفْسِي بَعْدَهُ…
‏الْأَبُ (يَهْمِسُ بِقُرْبٍ):
‏وَأَنَا… أَشْتَاقُ.
‏أَلَمْ تَعْرِفِي بَعْدُ أَنَّ اشْتِيَاقِي أَقْوَى مِنْ صُرَاخِكِ؟
‏الرَّاوِي:
‏هُنَا… لَمْ يَعُدِ السِّجْنُ جُدْرَانًا.
‏هُنَا… صَارَ السِّجْنُ جَسَدًا يَخَافُ.
‏الْفَتَاةُ (بِهَلَعٍ):
‏سَأَقُولُ… أَقْسِمُ أَنِّي سَأَقُولُ لِلنَّاسِ… لِلشُّرْطَةِ… لِأَيِّ أَحَدٍ…
‏سَأَفْضَحُكَ!
‏الْأَبُ (يَضْحَكُ بِقَسْوَةٍ):
‏وَمَنْ سَيُصَدِّقُكِ؟
‏هُمْ يَرَوْنَنِي أَبًا… وَيَرَوْنَكِ فَتَاةً “مُضْطَرِبَةً”.
‏وَإِنْ فَتَحْتِ فَمَكِ…
‏أُغْلِقُهُ إِلَى الأَبَدِ.
‏الْفَتَاةُ (تَخْتَنِقُ بِبُكَائِهَا):
‏أَنْتَ سَتَقْتُلُنِي…
‏الْأَبُ (بِهُدُوءٍ مُخِيف):
‏إِذَا احْتَجْتُ.
‏الرَّاوِي (بِصَوْتٍ مُنْهَك):
‏فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ…
‏فَهِمَتْ أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ أَخْوَفَ مِمَّا يَحْدُثُ وَهِيَ حَيَّةٌ.
‏(صَمْتٌ طَوِيل)
‏الْفَتَاةُ (بِصَوْتٍ فَارِغ):
‏أَنَا… لَمْ أَعُدْ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ…
‏الرَّاوِي (الخِتَام):
‏وَعِنْدَمَا يَصِلُ الإِنْسَانُ إِلَى هُنَا…
‏لَا يَبْكِي.
‏لَا يَصْرُخُ.
‏لَا يَقَاوِمُ.
‏يَخْتَفِي.
‏وَبَعْدَ ذَلِكَ…
‏يُغْلِقُ الْوَحْشُ الْبَابَ…

‏وَيُكْمِلُ حَيَاتَهُ كَأَبٍ “طَبِيعِيٍّ”.

مقالات ذات صلة