المقالات والسياسه والادب

سر العارفين بقلمي هدى عبده


ثمةَ أرواحٌ
لا تدخل العالم كالبقية،
بل تأتي
وعليها شيءٌ من سكينة الغيب،
كأنها خُلقت من تأملٍ طويل
لا من طينٍ وماء.
وحين تمر
لا يلتفت الناسُ إلى خطوِها،
بل إلى ذلك الأثر الخفيّ
الذي تتركهُ في المعنى.
كانت إذا جلستْ
أحسست أن الضوضاء تخجل من نفسها،
وأن الكلمات الرديئة
تفقدُ جرأتها على الظهور.
لا لأنها تتعالى،
بل لأن الصفاء بطبعِه
يفضح العابر والزائف.
في حضورها
يصير العقل هيئةً من هيئات الجمال،
ويغدو الفكر نوعًا من العطر
لا تُدركهُ إلا الأرواحُ الخفيفة.
ولم تكن تُكثرُ الحديث،
لكن الصمت حولها
كان ممتلئًا بمعنى يكفي.
كأنها تعلمُ
أن الحقيقة لا تحتاج إلى صخب،
وأن الأشياء العظيمة
تنمو دائمًا في الجهات الهادئة.
رأيت فيها
امرأةً نجت من السوق الكبير،
من تعب الاستعراض،
ومن جوع القلوب إلى التصفيق،
فآوت إلى داخلها
حتى صار داخلها وطنًا كاملًا.
وكان وجهُها
يشبهُ نافذةً قديمة
يدخل منها ضوء العصر الأخير،
هادئًا…
وعميقًا…
وفيه حزنُ العارفين.
أما قلبُها
فلم يكن يسكن الأشياء،
بل المعاني التي وراء الأشياء،
ولذلك
كانت ترى ما لا يُرى،
وتسمع في الصمت
ما لا تقوله الأصوات.
وحين اقتربتُ من هذا النقاء،
أدركت أن الإنسان لا يسمو
بما يملك،
بل بما يتخففُ منه.
وأن الروح
كلما ازدادت معرفةً،
ازدادت خشوعًا،
حتى تصير كشمعةٍ
تفنى ببطء
لتمنح غيرها النور.
وفي آخرِ التأمّل
فهمت سر العارفين
أن الطريق إلى الله
لا يُقطع بالأقدام،
بل بكل شيءٍ فينا
حين يتطهر من نفسه.
د. هدى عبده ✒️ 

مقالات ذات صلة