المقالات والسياسه والادب

سلطة بلا رحمة أم شراكة بلا توازن و أزمة الأدوار وتلاشي دفء الأنوثة في الأسرة العربية

بقلم د. ذكاء رشيد
سلطة بلا رحمة أم شراكة بلا توازن و
أزمة الأدوار وتلاشي دفء الأنوثة في الأسرة العربية
​في خضم التحولات الاجتماعية المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية، تتكشف تدريجياً ظواهر أسرية دقيقة ومقلقة. لم يعد النقاش مقصوراً على الأعباء الاقتصادية أو ضغوط الحياة المعاصرة، بل تجاوزها ليطرق بابًا أكثر عمقًا وحساسية: «اختلال توازن الأدوار» بين الزوجين.
​تتسلل هذه الظاهرة أحياناً تحت غطاء الاستقلالية وتمكين المرأة، لتتحول في ممارسات البعض إلى تسلط مطلق وهيمنة خشنة، متجاوزة حدود الطبيعة الأنثوية والروح الشرقية للأسرة التي تققوم على المودة والسكينة لا على الصراع والندّية المطلقة. يفتح هذا التحقيق نافذة تحليلية جريئة على جذور الأزمة، وأبعادها النفسية والاجتماعية والشرعية، باحثاً عن المخرج نحو الاستقرار المفقود.
​1. جذور الأزمة: متى يتحول الطموح إلى تسلط؟
​لا شك أن خروج المرأة للعمل، وإثبات حضورها في الميدان العام، حق مكسب اجتماعي لا يمكن إنكاره. غير أن الأزمة تبدأ حين تتجرد الزوجة من ملامح الأنوثة الناعمة (كالاحتواء، واللين، وحسن التدبير) وتتبنى لغة أمر صارمة، معتبرة أن إدارة البيت لا تكون إلا بالقبضة الحديدية.
​فقدان البوصلة التكاملية: تتحول العلاقة الزوجية من شراكة مقدسة تقودها المودة والشورى إلى “حلبة صراع نفوذ” حول من يصدر القرار ومن يملك مقاليد السلطة.
​استنساخ الندّية المطلقة: التأثر بصور نمطية وافدة تنادي بالندية العمياء في كل تفصيلة، دون مراعاة للخصوصية الثقافية والشرعية للمجتمع الشرقي الذي يوازن بدقة بين الحقوق والواجبات.
​التشبه بالأدوار الخشنة: محاولة السيطرة المطلقة عبر إلغاء مساحة الرجل كمسؤول وقوام، مما يخلق بيئة أسرية مشحونة بالتنافس المزدوج.
​2. الرؤية الشرعية والنفسية: التكامل لا التصادم
​يؤكد علماء الشريعة وخبراء الأسرة أن الإسلام لم يجعل العلاقة الزوجية صراعاً طبقياً أو سياسياً، بل جعلها ميثاقاً غليظاً مبنياً على السكن والرحمة.
​رأي شرعي وفكري:
القوامة في الفهم الإسلامي الرشيد ليست تسلطاً ذكورياً، كما أن استقلالية المرأة ليست إذناً بالتسلط الأنثوي. القوامة تكليف بـ “الرعاية والإنفاق والمسؤولية”، والأنوثة الحقة هي مصدر القوة الخفية للبيت، وليست ضعفاً. عندما تتخلى المرأة عن هذا الدرع العاطفي وتتحول إلى حاكم مطلق، فإنها تهدم الحصن الذي تبنيه بنفسها.
​من الناحية النفسية، يرى الاستشاريون أن التسلط المفاجئ أو المبالغ فيه من قِبل الزوجة غالباً ما يكون قناعاً يخفي شعوراً دفينًا بعدم الأمان، أو خوفاً من فقدان السيطرة، أو تعويضاً مفرطاً عن ضغوط خارجية، لكنه في النهاية يدمر الجاذبية النفسية والاطمئنان المتبادل بين الزوجين.
​3. الآثار المدمرة على الأسرة والأبناء
​حين تغيب الحكمة وينعقد لواء البيت للتحكم المطلق والصدام المستمر، تدفع الأسرة بأكملها الثمن الأغلى:
​تصدع الكيان الأسري: يفقد الرجل شعوره بالأمان وبدوره، مما يؤدي إما إلى انسحاب صامت وانكفاء عاطفي، أو إلى نزاعات يومية تنتهي حتمًا بالتفكك.
​حرمان الأبناء من النموذج المتوازن: ينشأ الأطفال في بيئة مشحونة تفتقد للدفء العاطفي، حيث تغيب صورة الأم الرؤوم المطمئنة وتطغى صورة السلطة المتسلطة، مما ينعكس سلبًا على استقرارهم النفسي والاجتماعي.
​تحول المنزل إلى ثكنة: يفقد البيت وظيفته الأساسية كواحة للراحة والسكينة، ليصبح مساحة باردة تدار بالأوامر والتقييمات الجافة.
​آراء المختصين: نحو استعادة البوصلة
​د. سميرة الحسين (باحثة في علم الاجتماع الأسري):
“الأنوثة والقوة ليستا متضادتين. المرأة الحكيمة قادرة على إدارة شؤون بيتها والتأثير فيه بقوة العقل وحنان الاحتواء، دون الحاجة للتقمص الأدوار الخشنة. التسلط يفقد الزوجة هيبتها الحقيقية ويحول البيت إلى ساحة معارك لا ترتوي.”
​ويضيف الاستشاري الأسري محمد العلي:
“حين تنسلخ الزوجة عن محيطها الشرقي وطبيعتها المتزنة محاولةً فرض الهيمنة، فإنها تخسر أهم أسلحتها النفسية والاجتماعية. العلاقة الناجحة لا تقوم على من يتحكم، بل على من يعطي البيت طمأنينته واستقراره.”
​خاتمة التحقيق: التوازن هو النجاة

​إن علاج ظاهرة التسلط الأسري وتجاوز حدود الأنوثة لا يعني بحال العودة إلى التهميش أو إلغاء دور المرأة، بل يدعو إلى العودة لجذور الاعتدال. القوة الحقيقية للمرأة الشرقية تكمن في قدرتها على الجمع بين استقلاليتها الفكرية واحتفاظها بروحها الناعمة، وحرصها على صيانة بيتها من التصدع. فالنجاة الحقيقية تكمن في إدراك أن البيت السعيد يُبنى بالتكامل لا بالتصادم، وبالحب واللين لا بالسيطرة المطلقة.

مقالات ذات صلة