شهادات بلا عقول أزمة الجامعة المصرية

شهادات بلا عقول أزمة الجامعة المصرية
بقلم: محمود جاب الله
نحن نخرج حاملي شهادات.. لا حاملي فكر
كانت الجامعة في مصر يوماً مصنعاً للعقول. كان الطالب يدخلها شاباً صغيراً يبحث عن معلومة، ويخرج منها رجلاً يملك عقلاً يفكر، ولساناً يحاور، وشخصية قادرة على بناء وطن. كان خريج الجامعة يشار إليه في الشارع: “هذا متعلم”.
اليوم، تغير المشهد تماماً. أصبحت الجامعات تعطي شهادات، لكنها للأسف لم تعد تعطي عقولاً.
كل عام، تخرج جامعاتنا مئات الآلاف من الطلاب، يحملون شهادات ملونة بتقديرات مختلفة، من مقبول إلى امتياز مع مرتبة الشرف. لكن هل سألنا أنفسنا: كم عقلاً حقيقياً تخرج من بين هؤلاء؟
نحن نعيش أزمة حقيقية عنوانها *”تضخم الشهادات وانهيار العقول”.*
الطالب يدخل الجامعة ليتعلم كيف يحفظ، لا كيف يفكر. المنهج يطلب منه أن يبصم الكتاب من الجلدة إلى الجلدة، ثم يفرغه في ورقة الإجابة، ثم ينساه بعد عشر دقائق من خروجه من اللجنة. لم نعد نعلمه كيف يسأل “لماذا؟” بل نعاقبه إذا سأل. لم نعد نعلمه كيف يعترض بأدب، بل نطلب منه أن يطيع في صمت.
أصبحت المحاضرة إملاء، والكتاب مذكرة تباع في مكتبة أمام الجامعة، والامتحان سباق في من يتذكر أكثر، لا من يفهم أكثر.
والنتيجة؟
شاب يحمل شهادة جامعية في الهندسة ولا يستطيع إصلاح صنبور مياه. وشاب يحمل ليسانس آداب ولا يستطيع كتابة فقرة عربية سليمة بدون أخطاء إملائية. وخريج تجارة لا يعرف الفرق بين الميزانية والموازنة، وخريج حقوق لا يستطيع صياغة عقد بيع بسيط.
لقد انفصلت الشهادة عن المهارة، وانفصلت المهارة عن العقل.
أين الخلل؟
*الخلل الأول في الأستاذ.* الأستاذ الجامعي الذي كان قدوة ومفكراً وباحثاً، تحول في كثير من الأحيان إلى موظف يلقي محاضرته ويمضي. انشغل بالكتاب الجامعي وبالأعباء الإدارية، ونسي أن وظيفته الأولى هي صناعة العقل لا بيع الكتاب. كم أستاذاً اليوم يناقش طلابه؟ كم أستاذاً يطلب منهم بحثاً حقيقياً لا منقولاً من الإنترنت؟
*الخلل الثاني في المناهج.* مناهجنا في كثير من الكليات لم تتغير منذ عشرين عاماً. ندرس في كليات الإعلام نظريات عفا عليها الزمن، ونترك الذكاء الاصطناعي والسوشيال ميديا. ندرس في كليات التجارة دفاتر قديمة، ونترك اقتصاد المنصات والعملات الرقمية. نحن نعلم الطالب تاريخ العلم، ولا نعلمه العلم نفسه.
*الخلل الثالث في الطالب نفسه.* طالب تعود أن ينجح بالغش، وأن يتفوق بالملخصات، وأن يحصل على المعلومة من فيديو مدته دقيقة على تيك توك. طالب يريد الشهادة كختم اجتماعي ليتزوج أو ليسافر، لا كسلاح فكري يواجه به الحياة.
إن أخطر ما تواجهه مصر اليوم ليس البطالة، بل بطالة العقول. لدينا آلاف الشباب يحملون شهادات عليا، لكن سوق العمل يرفضهم، ليس لأن السوق بلا فرص، بل لأن الشهادة التي يحملها الشاب لا تساوي المهارة التي يطلبها السوق. صاحب المصنع لا يريد شهادة، يريد عقلاً يحل مشكلة. وصاحب الشركة لا يريد تقديراً، يريد إنساناً يفكر.
الدول لا تتقدم بعدد الخريجين، بل بعدد العقول. إسرائيل ليس لديها بترول، لكن لديها عقول فباعت التكنولوجيا للعالم. اليابان لا تملك مساحة، لكنها تملك عقلاً فغزت الدنيا بصناعتها.
نحن لا نحتاج إلى جامعات جديدة من الطوب والأسمنت، نحتاج إلى جامعات جديدة من الفكر والمنهج.
نحتاج إلى جامعة تعلم الطالب كيف يفكر لا ماذا يحفظ، كيف يسأل لا كيف يجيب، كيف يختلف لا كيف يوافق.
الشهادة ورقة قد تحصل عليها بالمال أو بالحفظ أو حتى بالغش. أما العقل، فلا يبنى إلا بالشك والسؤال والقراءة والنقاش والتجربة والخطأ.
فهل تعود جامعاتنا لتكون مصانع للعقول، لا مطابع للشهادات؟

