ضباب الإدراك

ضباب الإدراك
بقلم الكاتبة إيمان نجار
نحنُ لا نفتقِرُ إلى الشُّعورِ، بلْ إلى الوضوحِ.
نُحسُّ بالألمِ ولا نعرفُ لهُ اسمًا.
نفتقِدُ شيئًا لا نملكُ ملامحَه.
نغرقُ في بحرٍ لا ندري إنْ كانَ ملحُهُ من دموعِنا أمْ من تعبِ الأيامِ.
نخافُ، لكنّنا لا نعرفُ مِمَّ نخافُ.
نشتاقُ، دون أنْ نُدركَ لِمَن.
نُحبُّ، ولا نُجيدُ تسميةَ الحُبِّ.
نُضيءُ الطُّرقَ لغيرِنا، ونبقى في العتمةِ نرتجفُ من بَردِ الانتظارِ.
نحملُ في صدورِنا أصواتًا مكتومةً،
ونُتقنُ الصَّمتَ خوفًا من أنْ تُفهِمَنا الحياةُ خطأً.
نحتاجُ مَن يفهمُ دونَ أنْ نشرحَ،
مَن يُربّتُ على أرواحِنا دونَ أنْ نسقطَ أوّلًا.
كلُّ ما فينا يسيرُ… لكنْ إلى أين؟
وكلُّ ما نشعرُ به… لكنْ لا نعرفُ كيف نحتويهِ.
نحنُ الذينَ عرفوا الضَّياعَ دونَ أنْ يُغادروا أماكنَهم.
نحنُ الذينَ ننتظرُ وضوحًا… لن يأتي.
نمشي بخُطًى ثابتةٍ فوقَ هشاشةٍ داخليّةٍ،
نضحكُ في وجوهِ الناسِ، ونبكي في صمتِنا،
نُرتّبُ كلامَنا لئلّا ينكشفَ ما نُخفيه،
نُزيّنُ الانكسارَ بكبرياءٍ زائفٍ،
ونُقنعُ أنفسَنا بأنّنا بخيرٍ، كي لا نسقطَ أكثرَ.
كلُّ ما حولَنا يقولُ: “تجاوَزْ”،
لكنَّ قلوبَنا لا تُجيدُ القفزَ فوقَ الألمِ،
نجرُّ خلفَنا ذُيولَ الذكرى،
ونُكابرُ لنبدو أقوى… بينما الحُطامُ في الداخلِ يزدادُ.
نصمتُ حينَ يكونُ الكلامُ ضرورةً،
ونتكلّمُ حينَ يكونُ الصمتُ أبلغَ.
نفتحُ نوافذَ الأملِ، لكنَّ الريحَ تُطفئُها في كلِّ مرّةٍ.
نمنحُ الفُرَصَ، نغفرُ، نُبرّرُ،
لكنْ مَن يُنصفُنا؟ مَن يُرمّمُ هشاشتَنا بعدَ كلِّ خيبةٍ؟
ورغمَ كلِّ هذا…
نظلُّ نحملُ في أعماقِنا بَذرةَ ضوءٍ،
تُقاومُ الانطفاءَ، وتهمسُ لنا كلّما أوجَعَنا العَتْمُ:
”ما زلتُ هنا، وما خُلِقَ الألمُ ليكسِرَك،
بلْ ليكشِفَ لكَ وجهَكَ الآخرَ…
ذلكَ الذي لا يعرفُ الهزيمةَ.”


