طيف

طيف
بقلم
الأستاذ محمد بايزيد
لم يكن يدرك أنّه رحل…
كان يتجوّل في المكان، يظن نفسه حيًّا، يتساءل: لماذا لا يفتقده أحد؟
ذهب إلى عمله… فوجد مكتبه خاليًا، والوجوه تمرّ من أمامه دون أن تراه.
جلس في المقهى الذي اعتاد ارتياده، فوجد الكراسي باردة، والضحكات تتعالى حوله دون أن تصله.
سار في الطرقات التي كان يعبرها كل صباح، فبدا كل شيء غريبًا، كأن الحياة محَت أثر خطواته.
الأبواب لا تئنّ لمروره، المقاعد لا تحفظ دفء جلوسه، حتى الجدران صارت صامتة كأنها لم تعرفه يومًا.
وفي الليل، حين يخيّم السكون، كان يسمع شيئًا غريبًا…
همس بكاء يتسرّب من زاوية الغرفة.
اقترب… فرأى البرواز المعلّق على الجدار.
كانت صورة أمه، التي رحلت منذ سنوات، تحدّق فيه بدموع حقيقية.
دموع تنحدر ببطء على زجاج الصورة، كأنها تبكيه من وراء الموت.
ارتجف، وشعر ببرودة تطعن قلبه.
الأم التي فارقت الحياة حزنت عليه، بينما كل الأمكنة التي ملأها يومًا تناسته.
عندها فقط أدرك أنّه لم يعد سوى طيف…
يهيم بين الأزقّة والمقاهي والمكاتب والبيوت، لا يسمعه أحد، ولا يراه أحد، إلا دموع صورةٍ لا تزال تبكيه.
ومنذ تلك الليلة، كل من يمرّ قرب البرواز يسمع أنينًا خافتًا…
ولا أحد يعلم: أهو أنين الصورة التي تبكي، أم أنين الطيف الذي لم يجد من يفتقده؟
الأستاذ محمد بايزيد



