المقالات والسياسه والادب

عاصفة في دفتر الشعور سيمفونية المزاجية ومتاهة القلوب المتقلبة

بقلم: د. ذكاء رشيد
عاصفة في دفتر الشعور سيمفونية المزاجية ومتاهة القلوب المتقلبة
​في زحام الحياة المعاصرة وتفاعلاتها اليومية، لا شيء يشبه طقس الخريف أكثر من النفس البشرية في حالات تقلبها؛ تشرق الشمس فجأة في محيا العلاقات، ثم لا تلبث أن تتكاثر الغيوم وتشتعل الرعود دون إنذار مسبق. إنها المزاجية؛ تلك الظاهرة النفسية العميقة التي تتأرجح فيها الحالة الشعورية للإنسان بين النقيضين بيسر مدهش، محولةً الواقع المحيط إلى مسرح لتغيرات مناخية عاطفية لا استقرار فيها. وبينما نبحث في جذور هذه الظاهرة، يبرز أمامنا بطلها الحي ومجسدها اليومي: الشخص المزاجي، ذلك الكأن الذي تبحر روحه بين مطارق الحماس ومرافئ الصمت، ليجد كل من حوله أنفسهم في مواجهة مباشرة مع طقس عاطفي لا يثبت على حال.
// ​طقس النفس: حين تصبح الحياة أفعوانية
​ليست المزاجية سمة فكرية يمكن تحليلها ببرود، بل هي نسق شعوري يتنقل بصاحبه –وبمن يرتاد فلكه– بين وجوه متباينة. فالشخص المزاجي ليس إنساناً شريراً بطبعه، بل هو إنسان تتأثر أوتاره العصبية والنفسية بأدق المؤثرات؛ قد يغدق على من يحب دفئاً جارفاً وتلقائية ساحرة تبعد العلاقة عن رتابة المعتاد، ليتحول في لحظة أفقية بلا سبب ظاهر إلى صقيع الصمت والانسحاب.
​هذا التذبذب الدائم يجعل التعامل مع المزاجية أشبه بالسير على حبل مشدود. فالبيئة المحيطة به –من أحباء وأصدقاء وقربى– تعيش في حالة ترقب مستمر، أشبه بمن يمشي على قشر البيض مخافة إثارة عاصفة خفية.
// ​ميزان الأثر: بين عصف العواصف واستنزاف القلوب
​حين يضرب التقلب المزاجي بيئة العلاقات الخاصة، فإنه يحدث هزة ارتدادية في وجدان الطرف الآخر. فالعلاقات الإنسانية العميقة تُبنى بطبيعتها على الطمأنينة والثبات لا على المفاجآت الشعورية الحادة.
// ​الكفة السلبيّة (الأغلب حضوراً): يولد هذا التقلب نزيفاً نفسياً واستنزافاً شعورياً تدريجياً؛ إذ يترجم الطرف المقابل الجفاء الطارئ أو الصمت المطبق على أنه رفض شخصي أو تراجع في المودة، فتتسع الهوة وتتآكل رصيد الأمان.
// ​الكفة الإيجابية (الدفء المشروط): تظهر في لحظات الصفاء الفجائية التي تضفي على العلاقة بريقاً من العفوية والحيوية، لكنها تظل دوماً رهينة للحظة عابرة.
​على المدى الطويل، يميل الميزان لصالح الاستنزاف، ما لم تتدخل يد العقل والوعي لترميم الشقوق.
// ​شراع النجاة: كيف نروض الرياح العاتية؟
​إن تجاوز متاهة المزاجية لا يتطلب هدم الجسور، بل بناء قواعد واعية للعبور نحو البر، وتبدأ الحلول من قطبي المعاناة:
//​على صاحب المزاج: أن يمتلك شجاعة الوعي الذاتي، وألا يتردد في منح محيطه تنبيهاً صادقاً يعفيهم من وزر الظنون، كأن يبوح بعبارة دافئة: “أنا أصارع ضغطاً داخلياً، وهذا ليس بسببك”.
//​على الطرف المحب: أن يمارس فن “عدم الشخصنة”، مدركاً أن العاصفة تخص صاحبها وحده وليست موجهة ضده، مع ترسيم حدود صحية تمنع تحول التقلب إلى إساءة، واستثمار أوقات الصفاء للحوار الهادئ.
……

​إن الحياة المشتركة تظل أقدر على الصمود متى ما أدركت القلوب أن العواصف وحدها لا تصنع ربيعاً، وأن الفهم المتبادل هو وحده ما يثبت الجذور ويديم العِشرة في مأمن من رعود الخريف

مقالات ذات صلة