المقالات والسياسه والادب

عباس بين الحق والتوقيت الخاطئ هل تُبنى الوحدة الوطنية بالهجوم

بقلم: محمود سعيد برغش
في زمن تتناثر فيه جراح غزة كالأشلاء، وتختلط فيه رائحة الدم بركام البيوت، خرج الرئيس الفلسطيني محمود عباس بخطاب ناري شنّ فيه هجومًا حادًا على فصائل المقاومة في غزة، مطالبًا إياها بتسليم السلطة والسلاح للقيادة الشرعية. خطابٌ أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الفلسطينية والعربية، ودفع الكثيرين للتساؤل: هل أصاب الرئيس؟ أم أنه أخطأ الزمان والمكان والرسالة؟
منطق الدولة والشرعية
لا يختلف اثنان على أن وحدة السلاح والقرار تحت مظلة دولة واحدة هو المبدأ الصحيح لبناء أي نظام سياسي مستقر. فوجود سلطتين متنازعتين، واحدة في الضفة الغربية وأخرى في قطاع غزة، أضعف المشروع الوطني الفلسطيني، وأعطى الاحتلال ذرائع لاستمرار الانقسام. ومن هنا، تبدو دعوة عباس لتسليم السلاح والسلطة منطقية نظريًا.
لكن السؤال الجوهري هو: هل هذا هو الوقت المناسب؟ وهل الطريقة التي طُرحت بها المطالب كانت حكيمة؟
غزة تدفع الثمن… والسلطة تغيب
بينما كانت غزة تتعرض لأبشع عدوان في تاريخها، وكان أطفالها يواجهون الموت في المدارس والمستشفيات، غابت السلطة الفلسطينية عن المشهد، سياسيًا وإغاثيًا وحتى معنويًا. لم ترَ الناس في الميدان من يواسيهم أو يحاول رفع صوتهم في المحافل الدولية، في حين كانت الفصائل في غزة – رغم الأخطاء – تقاتل وتدفع الثمن من دماء أبنائها.
ثم يأتي الخطاب بعد كل هذا ليحمّل تلك الفصائل مسؤولية ما جرى، متجاهلًا عدوانًا استمر لأشهر ومجازر بحق المدنيين، دون أن تُرفع راية غضب سياسية من رام الله، بل على العكس، جاءت الاتهامات من القيادة لا من الاحتلال.
أخطر ما في الخطاب: استهداف المقاومة
حين يتحدث الرئيس عن “سلاح خارج الشرعية”، ويتهم ضمنيًا فصائل المقاومة بأنها سبب نكبة غزة، فهو يُعيد إنتاج خطاب لطالما رددته إسرائيل لتبرير عدوانها. وهذا أمر خطير، ليس فقط لأنه يضعف موقف الفلسطينيين أمام العالم، بل لأنه يزرع مزيدًا من الشقاق الداخلي، ويُبعد حلم المصالحة أكثر.
هل نحتاج إلى الوحدة؟ نعم. ولكن كيف؟
نعم، لا يمكن لفلسطين أن تنهض دون وحدة سياسية وسلاح منضبط تحت مظلة وطنية. لكن تحقيق ذلك لا يكون بخطابات هجومية، ولا بتبادل الاتهامات، بل عبر:
إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية لتصبح مظلة تمثيل حقيقية.
إجراء انتخابات شاملة يختار فيها الشعب من يحكمه.
فتح حوار وطني جامع يضم جميع الفصائل دون شروط مسبقة.
الرئيس محمود عباس قال ما قد يكون في جوهره صوابًا، لكنه قاله في التوقيت الخاطئ، باللهجة الخاطئة، والسياق الأكثر ألمًا. الوحدة الوطنية لا تُبنى على جراح غزة، ولا تُفرض بالقوة، بل تُصاغ بالدموع، وتُوقّع على أنقاض الفُرقة، وتُكتب بيد كل فلسطيني يحلم بالحرية.
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏تحتوي على النص '‏الرئيس الفلسطيني يشن هجوما حادا على فصائل غزا‏'‏‏

مقالات ذات صلة