علمتني آية

علمتني آية
كتبت: أ. سبيله صبح
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾
قصتنا اليوم، وعِبرتنا التي نقف عندها، نأخذها من قصة قابيل وهابيل، ولديّ آدم عليه السلام. تروي لنا الآيات الكريمة قصة أول جريمة قتل في تاريخ البشرية، تلك الجريمة التي وقعت بين أخوين، حين قُتل ”هابيل” على يد أخيه “قابيل”.
تُبيّن لنا القصة كيف أن الأخوّة، وارتباط الدم، وحرمة النفس، قد تنهار كلها في لحظة واحدة حين تستولي الغيرة والحسد على القلوب والنفوس، بل وقبلها العقول. ويقصّ علينا القرآن كيف قدّم كلٌّ من الأخوين قربانًا إلى الله عز وجل؛ فاختار هابيل ـ وكان يعمل في رعاية الماشية ـ أفضل كبش عنده، وقدّمه خالصًا لله، لا يريد به إلا القبول والإخلاص والتقوى.
أما قابيل ـ وكان يعمل في بذر الأرض ـ فاختار أردأ ما عنده من البذور وقدّمه قربانًا، فتقبّل الله عز وجل قربان هابيل، ولم يتقبّل قربان قابيل، فامتلأ قلبه غيرةً وحسدًا على أخيه، وتوعّده بالقتل.
وما كان من هابيل إلا أن ذكّره بالأخوّة التي بينهما، وقال له:
﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾
وذكر له عِلّة امتناعه عن مقابلة الشر بالشر، وهي الورع والخوف من رب العالمين. وقد قيل إن المقتول كان أشد بأسًا من القاتل، لكنه آثر تقوى الله والبعد عن الظلم وارتكاب الكبائر.
ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار».
قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه».
… لم تقف قصة ولدي آدم عند هذا الحد، بل أخبرنا القرآن الكريم كيف جلس قابيل بجوار أخيه بعد قتله، يشعر بالندم والحسرة، وهو لا يدري كيف يواري جثة أخيه. فبعث الله غرابين اقتتلا أمامه ، فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر القاتل في الأرض لِيُعَلِّم ابن آدم كيف يدفن أخاه ويستر جسده بعد موته.
حينها شعر قابيل بخيبةٍ أعظم، وقال: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾
علمتني الآية…أن القبول من الله مرهون بالإخلاص والتقوى لا بشكل العمل، وأن الحسد إذا سكن القلب أفسده وقاد إلى أعظم الذنوب. وعلمتني أن كفّ الظلم والامتناع عن الشر قوة وورع، وأن المعصية لا تورث إلا الندم والخزي، مهما ظنّ صاحبها أنها مستريحه، فهي في الحقيقة راحة مؤقتة، سريعة الزوال .
في الختام..
اللهم طهّر قلوبنا من الحسد والغل، وارزقنا الإخلاص والتقوى، واجعل أعمالنا خالصةً لوجهك الكريم.
اللهم احفظنا من الظلم والعدوان، ووفّقنا لكفّ الأذى وحسن الخُلُق، واجعلنا ممن يقفون عند حدودك ولا يتبعون هوى النفس.
اللهم تقبّل منا صالح الأعمال، ونجّنا من الندم بعد الزلل، واهدِ قلوبنا إلى ما تحب وترضى، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين .


