المقالات والسياسه والادب
عندما بكت ميار صمت التريند وتكلم الكتاب

بقلم : محمود جاب الله
عندما بكت ميار صمت التريند وتكلم الكتاب
لم يكن المشهد في قاعة الاحتفال بتحدي القراءة العربي مجرد لحظة تكريم عابرة، بل كان لحظة كاشفة. لحظة فارقة أعادت طرح السؤال الأهم: ماذا نريد لأبنائنا أن يكونوا؟
حين نودي على اسم الطالبة “ميار” كفائزة على مستوى العالم العربي في تحدي القراءة العربي، لم نرَ فتاة تقفز فرحاً أو تلوح بيدها بحثاً عن كاميرا لتلتقطها. رأينا مشهداً مختلفاً تماماً.
فتاة صغيرة، نحيلة، تصعد إلى المنصة بخطوات متثاقلة خجولة، ويداها ترتجفان. تسلمت الكتاب والدرع، ثم فعلت ما لم يتوقعه أحد.. ضمت الكتاب إلى صدرها، وقبّلته، وانهمرت دموعها بصمت.
بكت ميار.. فأبكت معها قاعة كاملة، ثم أبكت ملايين خلف الشاشات عندما انتشر الفيديو.
لماذا أبكانا هذا المشهد البسيط؟
لأنه جاء في توقيت كنا في أمس الحاجة إليه. في زمن طغت فيه ثقافة “التريند” السريع والمحتوى الفارغ، وظننا أن جيلاً كاملاً قد انصرف عن الكتاب إلى الشاشة، تأتي ميار لتذكرنا بأن الأصل ما زال حياً.
لقد كنا نظن أن معركة التعليم خاسرة. أن المدرسة فقدت بريقها أمام سطوة الموبايل، وأن المعلم فقد هيبته أمام شهرة صانع المحتوى. فجاءت هذه الدموع لتقول لنا عكس ذلك تماماً.
دموع ميار لم تكن دموع طفلة فازت بجائزة، بل كانت دموع تقدير للعلم. كانت رسالة احترام للكتاب. لقد قبلت الكتاب كما كنا نقبل يد آبائنا احتراماً. في لفتة واحدة، أعادت ميار للكتاب قدسيته، وللمعلم مكانته، وللمدرسة دورها كمنارة لا كمبنى.
إن مبادرة تحدي القراءة العربي، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لم تكن يوماً مجرد مسابقة لقراءة خمسين كتاباً. كانت مشروعاً لاستعادة الهوية. وميار هي التجسيد الحقيقي لهذا المشروع.
إنها حفيدة الطهطاوي الذي سافر إلى باريس ليعود بالعلم، وحفيدة طه حسين الذي قال إن التعليم كالماء والهواء. ميار فهمت بفطرتها ما عجز عنه كثير من الكبار: أن القراءة ليست هواية، بل هي مقاومة. مقاومة للجهل، ومقاومة للتفاهة، ومقاومة للنسيان.
هذا المشهد الذي أبكى الملايين يجب أن لا يمر مرور الكرام. يجب أن تتوقف عنده وزارة التربية والتعليم، وتتوقف عنده الأسر المصرية.
علينا أن نسأل أنفسنا: كم ميار في مدارسنا تخجل أن تظهر حبها للقراءة خوفاً من سخرية زملائها؟ وكم معلماً مخلصاً مثل معلمة ميار، التي آمنت بها وشجعتها في صمت، يحتاج إلى تكريم ودعم؟
لقد أعادت ميار للتعليم هيبته ليس لأنها قرأت 50 كتاباً، بل لأنها علمتنا كيف نحب الكتاب.
تحية لميار.. وتحية لكل ميار في ربوع مصر تحمل كتاباً في زمن يتصارع فيه الجميع على حمل هاتف.


