الغربة ليست فقط بُعد المسافات، بل وجعٌ يسكن القلب لا يهدأ. حين يغادر الأبناء ديارهم بحثًا عن مستقبل أفضل، يتركون وراءهم قلوبًا معلّقة بهم، خاصة قلب الأم… ذاك القلب الذي لا يعرف النوم إن لم يطمئن عليهم.
وحين تكون الابنة هي من تغترب، فالوجع يتضاعف. تذهب بعمر الزهور، تحمل في قلبها أحلامها البريئة، وتظن أن الأيام ستحملها على جناح الرحمة، لكنها قد تُفاجأ بواقعٍ مرّ، وغربةٍ أشد من بعدها عن أهلها. وربما كان زوجها وأهله هم أوّل من خذلوها، من نسوا أنها إنسانة، تحتاج إلى المودة، إلى الاحتواء، لا إلى القهر وكسر الخاطر.
تشتد غربتها عندما تمرض، ويشتد بها الوجع، ليس فقط في الجسد، بل في القلب والروح. لا تجد فيمن حولها حضن أم، ولا يد حنان، ولا حتى كلمة طيبة. وتتمنى في كل لحظة أن تكون أمها بقربها، تمسح على رأسها، وتقول لها “أنا هنا يا بنتي… ما تخافيش”.
أما الأم، فتعاني بصمت. تشعر بوجع ابنتها من بعيد. قلبها لا يخطئ، تشعر أنها موجوعة، مكسورة، ولكنها لا تستطيع أن تفعل شيئًا. تبكي ليلًا، وتدعو الله أن يخفف عن ابنتها، وأن ينزل السكينة على قلبها.
الغربة قاسية… لكن الأقسى منها أن تكون محاطًا بناس لا يرحمون، لا يقدّرون، ولا يتقون الله. ما أصعب أن يكون سبب مرضك هو القهر… والظلم… وكلمة جارحة… ونظرة استعلاء.
لكل من في الغربة، لكل ابنة بعيدة عن أمها، ولكل أم قلبها يحترق على فلذة كبدها… أسأل الله أن يربط على قلوبكم، وأن يعوضكم بحنانه، وأن يجبر كسركم بلطفه، ويرزقكم من يقدّركم ويخاف ويتقي الله في اولاد الناس.