كلُّ حنونٍ يفهم… وإن لم يفهم، يتفهَّم بقلم مستشار محمود السنكري

كلُّ حنونٍ يفهم… وإن لم يفهم، يتفهَّم
بقلم مستشار محمود السنكري
في زحامِ الحياة، وبين صخبِ الوجوه والضجيجِ الخانقِ للروح، نبحثُ عن مأوى… لا في الأماكن، بل في الأشخاص.
فثمّة قلوبٌ حين نلجأ إليها، لا تُسائلنا، لا تُعاتبنا، بل تُنصت… وتضمّ.
عند الهروب، لا نهرب إلى العاقل، ولا إلى الحكيم الذي يُمطرنا بالنصائح.
بل نهرب للحنون، وليس النصوح، فكلُّ حنونٍ يفهم،
وإن لم يفهم… يتفهَّم.
الحنيّة ليست ضعفًا، بل فطنةُ القلب التي تُدرك أن بعض الأرواح لا تحتاج حلًّا،
بل تحتاج حضنًا، وربّما كلمة تُقال بنبرةٍ دافئة:
أنا هنا… لا تخف.
إن الحنون لا يتكلف، ولا ينتظر توقيتًا ليكون،
هو هناك حين يغيب الجميع،
وحين تنطفئ فيك اللغة،
يفهمك من عينيك،
ويُؤمِن أنك موجوع، حتى وإن كنت تضحك.
ولذلك، حين تمرّ بنا لحظات الانكسار، لا نبحث عمّن يملك الجواب، بل عمّن يملك القلب.
ذاك الذي لا يُشعرك بالحرج من وجعك، ولا يُحمّلك عبء التبرير،
الذي لا يُقاطعك لتصحيح موقف، ولا يختصر وجعك في حكمةٍ جافّة.
هو فقط يستقبلك كما أنت، بثقل حزنك، بارتباكك، بعجزك،
ويعطيك حقك الكامل في أن تكون إنسانًا.
الحنون هو الذي يرى هشاشتك ولا يُشهِرها،
يرى دمعتك ولا يُسجلها،
يُداري وجعك وكأنه وجعه،
ويُغلق عليك الباب، لا ليحبسك، بل ليحميك من ضجيج الخارج، ومن أحكام الناس.
فما أجمل أولئك الذين إذا ضاقت بك الأرض، وسعوك بصدرهم،
وإذا أظلمت عليك اللحظة، أضاءوك بفهمهم وصبرهم.
وما أصدقها من حقيقة:
كلُّ حنونٍ يفهم… وإن لم يفهم، يتفهَّم.
ولعلّ هذا التفهّم وحده… أعمق من ألف فهم.




